
يبدو أن ملف سن الولوج إلى مهنة التدريس يتجه نحو منعطف جديد، بعدما أعلن وزير التربية الوطنية، محمد نبيل بنعبد الله، عن توجه الوزارة نحو رفع السن المحدد للالتحاق بمهنة التدريس، استجابة للمطالب المتزايدة الداعية إلى مراجعة هذا الشرط الذي أثار الكثير من الجدل في أوساط حاملي الشهادات والراغبين في الالتحاق بقطاع التعليم.
وخلال مشاركته في برنامج تلفزيوني، أكد الوزير أن هذا التغيير المرتقب سيتم تطبيقه قريبا، دون الكشف عن السن الجديد أو تقديم تفاصيل دقيقة بشأن موعد دخوله حيز التنفيذ، وهو ما أعاد النقاش إلى الواجهة، وفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى جدية هذا التوجه وقدرته على التحول إلى قرار رسمي ينهي حالة الانتظار التي يعيشها آلاف الشباب.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يفعلها بنعبد الله، ويترجم الوعود إلى قرار ملموس يعيد الأمل إلى فئات واسعة من الشباب المغاربة؟
بالنسبة إلى هؤلاء، لا يتعلق الأمر بمجرد تعديل إداري أو تغيير رقم في شروط اجتياز المباريات، بل بقضية ترتبط بمستقبلهم المهني والاجتماعي، بعدما وجد كثيرون أنفسهم خارج دائرة المنافسة بسبب شرط السن، رغم حصولهم على الشهادات الجامعية وامتلاكهم مؤهلات علمية وقدرات قد تؤهلهم لممارسة مهنة التدريس.
لقد تحول هذا الشرط، بالنسبة إلى عدد من المترشحين، إلى حاجز أمام طموحاتهم المهنية، خصوصا في ظل محدودية فرص الشغل وارتفاع أعداد حاملي الشهادات وصعوبة الاندماج في سوق العمل. ومن هنا، فإن مراجعة سن الولوج إلى التعليم تطرح نفسها باعتبارها قضية تتجاوز الجانب الإداري، لتلامس أسئلة أعمق تتعلق بتكافؤ الفرص، والإنصاف، ومدى قدرة منظومة التوظيف على الاستفادة من الكفاءات المتاحة.
فهل من المنطقي أن تتحول سنوات التحصيل العلمي والبحث عن فرص العمل إلى عامل إضافي لإقصاء المترشحين، بدل أن تكون مناسبة لإعادة تقييم قدراتهم ومؤهلاتهم؟ وهل ينبغي أن يظل السن وحده محددا لمستقبل أشخاص لا يزالون قادرين على العطاء والإبداع والمساهمة في تطوير المدرسة المغربية؟
إن هذه الأسئلة تفرض على الوزارة التعامل مع الملف بمنطق الإصلاح المسؤول، بعيدا عن القرارات المرتجلة أو الوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ. فرفع سن الولوج إلى مهنة التدريس، إن جرى إقراره وفق تصور واضح، قد يشكل خطوة نحو توسيع قاعدة المترشحين وإتاحة فرص جديدة أمام فئات ظلت تطالب بمراجعة شروط المشاركة في المباريات.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في الإعلان عن التوجه فحسب، بل في الكشف عن تفاصيله، وتحديد السن الجديد، وتوضيح شروط الاستفادة منه، والإعلان عن موعد تطبيقه. فالمترشحون لا يحتاجون إلى تصريحات عامة بقدر حاجتهم إلى قرارات رسمية واضحة تضع حدا للتأويلات، وتمنحهم إمكانية التخطيط لمستقبلهم على أساس معطيات دقيقة.
فالفرق كبير بين إعلان النوايا واتخاذ القرار، وبين فتح باب الأمل وترجمته إلى فرصة حقيقية.
وفي مقابل هذا الملف الذي يستأثر باهتمام الراغبين في ولوج مهنة التدريس، تطرق الوزير أيضا إلى أوضاع مربيات ومربي التعليم الأولي، وإلى الجهود الرامية إلى الحد من الهدر المدرسي، وهما قضيتان لا تقلان أهمية عن مراجعة شروط التوظيف، بالنظر إلى ارتباطهما المباشر بجودة التعليم ومستقبل الأجيال الصاعدة.
فالعناية بالتعليم الأولي لا يمكن أن تقتصر على توسيع العرض التربوي أو رفع أعداد المستفيدين، بل ينبغي أن تشمل أيضا تحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية للعاملين فيه، وتوفير شروط الاستقرار والكرامة المهنية، بما يضمن أداء رسالتهم التربوية في ظروف ملائمة.
أما الهدر المدرسي، فلا يمكن مواجهته بإجراءات ظرفية أو حملات موسمية، بل يتطلب معالجة أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، وتعزيز الدعم الاجتماعي، وتحسين ظروف التعلم، وتوفير بيئة مدرسية قادرة على الاحتفاظ بالتلاميذ ومساعدتهم على استكمال مسارهم الدراسي.
إن إصلاح المدرسة المغربية يقتضي رؤية متكاملة تجعل المدرس في صلب العملية التعليمية، وتربط بين جودة التكوين، وعدالة التوظيف، والاستقرار المهني، ومحاربة الهدر المدرسي. كما يقتضي الإنصات إلى مطالب الفئات المتضررة من شروط الولوج إلى المهنة، والتفاعل معها بقرارات واضحة ومسؤولة.
اليوم، تتجه الأنظار إلى الوزارة لمعرفة ما إذا كان التوجه المعلن بشأن رفع سن الولوج إلى مهنة التدريس سيترجم إلى إجراء رسمي، أم سيظل في حدود التصريحات التي ترفع سقف الانتظارات دون أن تحسم الجدل.
فالشباب الذين يترقبون هذا التغيير لا يطالبون بامتيازات خارج القانون، وإنما يتطلعون إلى مراجعة شروط يرون أنها تحد من فرصهم في المنافسة، وإلى منظومة تتيح لهم إثبات كفاءتهم على أساس الاستحقاق والقدرة على ممارسة المهنة.
فهل يفعلها بنعبد الله، ويخطو خطوة جريئة نحو إعادة فتح أبواب التعليم أمام آلاف الشباب؟ أم أن الانتظار سيستمر إلى حين صدور القرار الذي يضع حدا لهذا الجدل؟
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بكشف ما إذا كان الأمر يتعلق بتوجه جاد نحو الإصلاح، أم بمجرد وعد جديد يضاف إلى قائمة الانتظارات.




