بفضل النموذج التنموي الجديد.. الأقاليم الجنوبية للمغرب تتحول إلى قطب قاري واعد

تعيش الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية اليوم نهضة تنموية غير مسبوقة، مع اقتراب الاحتفال بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، تلك الملحمة التي جسدت أسمى معاني التلاحم بين العرش والشعب. فهذه الربوع الغالية لم تعد فقط فضاءً لتخليد حدث وطني خالد، بل أصبحت شاهدة على تحول عميق ونقلة نوعية جعلت منها قطباً قارياً واعداً.
وانطلقت دينامية التنمية بهذه الأقاليم بفضل النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية الذي أطلقه صاحب الجلالة الملك محمد السادس سنة 2015، ترجمةً لرؤية ملكية استشرافية تهدف إلى جعل المنطقة نموذجاً للتنمية المندمجة والعدالة الاجتماعية، كما جاء في الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء.
وشكّل هذا المشروع المهيكل تتويجاً لمسار طويل من العمل الميداني والتخطيط الاستراتيجي، إذ لم يكن مجرد برنامج اقتصادي، بل مشروعاً مجتمعياً متكاملاً يضع الإنسان في صلب العملية التنموية، كما أكد جلالة الملك في خطابه بمناسبة الذكرى الثانية والأربعين للمسيرة الخضراء.
وفي مختلف جهات الصحراء المغربية، تتجسد هذه الرؤية عبر مشاريع ضخمة غيّرت ملامح المنطقة الاقتصادية والاجتماعية، بميزانية تجاوزت 85 مليار درهم، وبنسبة إنجاز تفوق 80 في المائة. وتتصدر هذه المشاريع الطريق السريع تزنيت–الداخلة على امتداد 1055 كيلومتراً، وميناء الداخلة الأطلسي العملاق، اللذان يشكلان ركيزتين أساسيتين لربط الأقاليم الجنوبية بشمال المملكة وعمقها الإفريقي.
كما تشمل الأوراش الكبرى البرنامج الصناعي لـ”فوسبوكراع”، ومحطات الطاقة الشمسية والريحية، وسد “فاصك” بكلميم، إلى جانب مشاريع التأهيل الحضري وتثمين الفلاحة والصيد البحري، مما جعل من الصحراء المغربية مركزاً اقتصادياً متكاملاً يربط المغرب بعمقه الإفريقي.
وحرصت المملكة على تطوير الرأسمال البشري بهذه الأقاليم من خلال إحداث المركز الاستشفائي الجامعي بالعيون، وكلية الطب، ومدينة المهن والكفاءات، بما يعزز فرص التكوين والتشغيل ويرسخ التنمية البشرية المستدامة.
وأثبتت المؤشرات الاجتماعية أن ثمار التنمية شملت الإنسان قبل البنية التحتية؛ إذ تحسن مستوى المعيشة وتراجعت نسب الفقر، وارتفعت مؤشرات التعليم والصحة لتتجاوز المعدل الوطني في بعض المجالات.
وتبرز جهة الداخلة – وادي الذهب كنموذج لنجاح هذا المسار، إذ سجلت أعلى معدل نمو اقتصادي بالمملكة بلغ 10.1% سنة 2023، وفق مجلة جون أفريك. كما تضاعف الناتج المحلي لجهة العيون – الساقية الحمراء من 15 مليار درهم سنة 2015 إلى أكثر من 28 مليار درهم سنة 2023، في حين شهدت جهة كلميم – واد نون طفرة تنموية جعلتها صلة وصل حيوية بين شمال وجنوب المغرب.
وبعد عقد من إطلاق هذا الورش الملكي الطموح، تحصد الصحراء المغربية اليوم اعترافاً وإشادة واسعة على المستويين الوطني والدولي، إذ صنّفتها تقارير أممية وشركاء دوليون، من بينهم فرنسا، كنموذج ناجح للتنمية المتكاملة والمستدامة.
وهكذا، يتواصل الوفاء لروح المسيرة الخضراء المظفرة عبر مسيرة تنموية متجددة تُرسخ مغربية الصحراء وتضعها في صلب معادلة التنمية الوطنية والاندماج القاري.




