كازا يا المظلومة: من تدبير المدينة إلى تسلية المدينة: خمسة عشر مليارا خارج سياق المعاناة

سفيان نهرو
الدار البيضاء لا تطلب الكثير. لا تطلب معجزة رقمية، ولا بطولة عالمية في الألعاب الإلكترونية، ولا لقب “عاصمة المستقبل” على ملصق لامع. ما تطلبه، بصوت منخفض من شدة التعب، هو أن تدار بعقل يسمع قبل أن يقرر، وبسياسة ترى الناس قبل المشاريع، وبحكمة تفرق بين ما هو مستعجل وما هو قابل للتأجيل… نعم… هذا ما نهمس به في أذن مجلس الجماعة… وكل من كان طرفا في برمجة سريالية لألعاب إلكترونية في مدينة لها أولويات كبيرة.
ومع ذلك، وجدنا أنفسنا أمام مشهد يكاد يكون غريبا مستفزا : مدينة مثقلة بالاختناقات، يقترح عليها فضاء للعب. مدينة تفكك أطرافها الاجتماعية بصمت، يطلب منها أن تحتفل بالتكنولوجيا.
خمسة عشر مليار سنتيم تخرج من ضرائب الشعب وعرقهم ، لا لترميم صدع قديم في العدالة المجالية، ولا لتخفيف ضغط مزمن على النقل أو الخدمات، بل لبناء “ARENA ESPORT”، وكأن الإشكال لم يكن يوما في الأولويات، بل فقط في غياب الترفيه.
السياسة هنا لا تبدو كمقاربة لتدبير الممكن، بل كفن القفز فوق الواقع. واقع الباعة الجائلين الذين يطاردون بلا أفق، والأسر التي تهجر في ألم وقهر بلا بديل، والشباب الذي يبحث عن فرصة لا عن شاشة. لكن هذا الواقع، بدل أن يكون نقطة الانطلاق، جرى التعامل معه كخلفية مزعجة يجب إخفاؤها بمشروع لامع، سريع التصوير، سهل التسويق، قليل الإزعاج السياسي.
أما خطاب “المدينة الذكية”، فقد أصبح مثل قطعة أثاث فاخرة في بيت أساسه متشقق. يستعمل كثيرا، ويشرح أقل، ويصدّق نادرا. ذكاء بلا عدالة، ورقمنة بلا ولوج، وتحديث بلا أثر يومي. إشارات مرور لا تفهم المدينة، إدارات لا تفهم المواطن، ونقل عمومي لا يفهم الزمن. ومع ذلك، يقال للبيضاويين بثقة: نحن نبني المستقبل. أي مستقبل هذا الذي لا يتسع للحاضر؟
الأمر لا يقف عند المشروع في حد ذاته، بل عند الطريقة. الطريقة التي تتخذ بها القرارات، في هدوء يشبه التجاهل، وبسرعة تشبه الاستعجال غير المبرر. لا نقاش عمومي، لا إشراك فعلي، لا سؤال بسيط من نوع: “هل هذا ما تحتاجه المدينة الآن؟”. الديمقراطية التشاركية حاضرة في النصوص، غائبة في الممارسة، مثل عنوان جميل لمقال لم يُكتب بعد.
ثم هناك المكان. “مارشي كريو”، الاسم الذي يحمل ذاكرة اقتصادية واجتماعية، يتحول فجأة إلى أرضية لمشروع جديد، بلا نقاش حول الرمزية، ولا حول العدالة المجالية، ولا حول من يربح ومن يزاح. المدينة تعاد هندستها بهدوء، لا لتصحيح اختلالاتها، بل لإعادة ترتيبها بما يناسب رؤية ضيقة، ترى في المجال فرصة استثمارية أكثر مما تراه فضاءً للعيش المشترك.
لذلك، لم يكن الرفض المدني صاخبا فقط، بل واعيا… رفض لا يقول “لا” للتكنولوجيا، بل “لا” لسوء استعمالها.
لا يخاصم المستقبل، بل يعترض على تقديمه كبديل عن الحاضر. رفض يقول ببساطة: قبل أن نبني فضاءات للعب، لنبن ثقة. قبل أن نرفع شعارات الذكاء، لنعالج اختناقات البديهة. وقبل أن نصرف الملايير، لنسأل: لمن؟ ولماذا؟ وفي أي وقت؟
الدار البيضاء لا تحتاج إلى من يدهشها، بل إلى من ينصت إليها. لا تحتاج إلى مشاريع تصفق لها، بل إلى سياسات تُنقذها من إنهاكها اليومي. مدينة بحجمها لا تدار بالبهرة، بل بالتوازن. لا تقاد بالشعار، بل بالبوصلة الاجتماعية. وكل سياسة تنسى هذا، مهما كانت لامعة، ستظل مجرد لعبة… والمدينة أكبر من أن تُلعب…
الدار البيضاء… واضحة الحاجيات… زوروا المستشفيات ليلا… واستقلوا الحافلات ليلا وفجرا… زروا الأسواق… حينها ستعرفون أن البيضاوي يحب اللعب لكن بعد لقمة العيش وجودة خدمات صحية وتعليمية.




