الرئيسيةكتاب الرأيمن الزيرو... مع نهرو...
الأكثر رواجًا

تعديل ماكر: محاولة خائبة لعزل المحامين ودس للسم في العسل

سفيان نهرو 

خطوة تثير الدهشة… تبدو لمن لا يمحص الأمور لكشف الخبايا، هي التعديلات التي بشرت بها الحكومة…في قانون المحاماة المرفوض… تعديلات دبجت بحبر المكيدة  لا مصلحة الوطن العليا.

تكشف  هذه التعديلات عن براجماتية سياسية لا تخفى…  حيث عمدت الحكومة إلى تعديل عناصر من قانون المحاماة بطريقة يمكن وصفها بالـ”ماكرة–الاستراتيجية”… عناصر لا تمس جوهر التوتر، لأن الصراع… كان حول الكرامة.. والاستقلالية وتحصين المهنة.

رفع سن الترشح إلى 45 سنة، والعودة للإجازة، وإلغاء امتحان نهاية التمرين ليست مجرد إجراءات تنظيمية، بل هي أشبه بخطة مدروسة، لإضعاف جبهة الصراع، وعزل حراك المحاميات والمحامين عن المجتمع، ليسهل “افتراسهم” بتحييد باقي فئات المجتمع، في صراع أصلا هو من أجل العدالة لا قضايا من أجل فئوية، كما يتم الترويج له من لدن الحكومة… لأن استقلالية المهنة، وتعويم سلطة التأديب، وعودة لغة شبيهة ل” كل ما من شأنه”، لتليين المرافعات، ستنعكس سلبا على حقوق المتقاضين.

حراك المحامين في جوهره، هو دينامية حقوقية لا مهنية، من أجل تحصين العدالة، وترسيخ ضمانات المحاكمة العادلة، وفق أعراف دولية، يستوي فيها ممثل الحق العام والمحامي أمام منصة القاضي، لا أن تتحول النيابة العامة سلطة تأديب .

السخرية في الأمر تكمن في أن المحامين  الذين كثيرا ما كانوا صوت المجتمع في مواجهة التجاوزات باتوا الآن على وشك أن يتحولوا إلى فئة شبه مغلقة، محصورة في زاوية على الأقل هذا ما يعتقد مهندسو التعديل الهدية المسمومة، ليسهل تركيعهم  بمعزل عن تضامن الطلبة، أوولياء الأمور، ومنظمات المجتمع المدني، وحتى الفئات الأكثر هشاشة التي كانت تجد في المحامي شريكا للدفاع عن حقوقها. يبدو أن الحكومة تقول لهم: “ابقوا بعيدين، سنختار من يمثلكم”.

الخطورة هنا لا تكمن في التعديلات الماكرة، بل في الإشارة الرمزية الواضحة: عزل المحامين يعني وجود نية مبيتة لعدم التجاوب مع مطالبهم والتصعيد.

إن محامي اليوم، إذا أصبح معزولا عن نبض المجتمع، لن يكون سوى موظف قانوني يطبق التعليمات دون مساءلة، ويخضع لضغوط السلطة أكثر من أي وقت مضى. بهذا الشكل، يتحول النظام القضائي تدريجيا إلى أداة لضبط المجتمع وليس لحماية حقوقه.

السخرية تتضاعف عندما ندرك أن الحكومة في  هذه الخطوة “للماكرة”، تظن أنها لم تعد تحتاج حتى إلى مواجهة احتجاجات واسعة. معتقدة أن التعديل في السن  والشهادة وامتحان ما بعد التمرين سيكون بمثابة حصن ضد أي ضغط متعدد للطلبة والمحامين المتمرنين.

من زاوية سياسية، هذه الخطوة تظهر براغماتية حذرة: السيطرة على المحامين تعني السيطرة على من يمثل القانون، وهو ما يفتح الباب أمام تحولات عميقة في العلاقة بين المجتمع والقانون، ويهدد نزاهة العدالة واستقلالية المهنة. إذا استمرت هذه السياسة، سنجد أنفسنا أمام محاماة “مغلقة”، قانون يطبّق حسب مزاج السلطة، ومجتمع بلا وسيط شرعي يمثل مصالحه، أو ينبهه إلى التجاوزات قبل فوات الأوان.

التعديل “الماكر” وليس مجرد تغيير قانوني، بل تهديد مستتر لأسس العدالة، وإشارة واضحة إلى أن الحكومة لم تعد ترى في المحامين شركاء في حماية الحقوق، بل أدوات يمكن اختيارها، وتجاهل من لا يخضع للشروط الجديدة، تماما كما يختار اللاعب فريقه قبل بداية المباراة، تاركا الجماهير خارج الملعب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى