سفيان نهرو * : مجلس المنافسة: من الحماية الاجتماعية إلى الكهانة النفطية

للأخبار الاقتصادية طقوس فريدة، وغريبة… في مغرب تحول فيه مجلس المنافسة إلى ” مرصد التوقعات”… ليس بلغة الاقتصادي… بل بخطاب كاهن، يقرأ فنجان السوق، وفق أهواء ” البوما”… كلما توفرت شروط محاصرة القوت، بالظروف الدولية والأزمات… الحفيظ الله…
قدم سي رحو أرقاما جافة، بثقة الخبير، وخلطها بنكهة الحريص لكنها مسخت فب شكل رسائل مفزعة، وحدنا في المغرب… عندنا مجلس منافسة، ينشر الفزع، بدل صناعة الأمل، ويعلن حداد لقفة شعبية، هي أصلا ماتت منذ زمن.
هذه المرة، اختار رئيس مجلس المنافسة، أحمد رحو، أن يتقمص دور “الشواف” الذي يقرأ الكف لجيوب المغاربة، مخبرا إيانا، بكل لباقة ودبلوماسية، أن لتر الوقود قد يغازل عتبة الـ 17 درهما.
هي دعوة “أنيقة” لشد الأحزمة، ليس من أجل التحليق، بل من أجل ارتطام وشيك بمضخات المحروقات التي صارت تتصرف كمقصلة حادة في زمن التحولات الكبرى.
المفارقة القاتلة… تكمن في هوية المتحدث وموقعه في الوجدان المجتمعي. فنحن نتحدث عن “مجلس المنافسة”، تلك المؤسسة التي كان يفترض أن تكون “الحارس” الصارم الذي يطارد الأشباح التي تتلاعب بالأسعار خلف الستائر، وتضبط إيقاع “المعزوفة” الاقتصادية لكي لا تتحول إلى “نشاز” احتكاري. لكن، ويا للعجب، تحول “الرقيب” إلى “خبير بأحوال الطقس في الهرمز”، يكتفي بالإشارة إلى تلبد الغيوم فوق الممرات المائية وتوتر أعصاب الأسواق العالمية.
كأن رحو الهادئ الحكيم زمن الهدير و”الوديع” حد الفقصة “يخبرنا: “نحن نراقب السماء، أما ما يحدث في المحطات فهو قضاء وقدر لا راد له”.
إنها حالة عبثية بامتياز، أن يصدر الكلام عن مؤسسة تحمل اسم “المنافسة”، فنتوقع منها نبرة “المحاسب” الذي يسأل: “لماذا ترفض الأسعار الهبوط حين يتهاوى الخام عالميا؟”، لنجدها تتحدث بنبرة “المستبصر” الذي يستشرف الغيب.
المواطن، في وعيه البسيط والراقي، لا ينتظر من مجلس المنافسة خرائط الملاحة البحرية، بل ينتظر تفسيرا لتلك “المسافة الغامضة” التي تجعل السعر يرتفع بسرعة “البرق” حين يشتد توتر العالم، بينما ينخفض ببطء “السلحفاة” حين يعم الوئام. يبدو أن “المنافسة” عندنا صامتة جدا، لدرجة أنها لا تسمع إلا عندما تئن المحافظ.
لنكشف السخرية الهادئة التي لا تحتاج إلى ضجيج… لنبدأ بهدوء….فالسوق، بحسب التصريحات الرسمية المنمقة، تسير بلا اختلالات تذكر، والفاعلون الاقتصاديون هم أصحاب ورع يتبعون قوانين العرض والطلب بقدسية تامة. لكن النتائج المحتملة، التي بشرنا بها الشواف رحو، تترك لدى المرء إحساسا فلسفيا عميقا: إذا كان كل شيء يعمل بشكل طبيعي، والمؤسسات تراقب بكل يقظة، والمنافسة في أبهى حللها، فلماذا يبدو الثمن دائما “استثنائيا” وخارجا عن السيطرة؟
هل هو سحر المادة، أم هي “بركة” الوسطاء التي تجعل اللتر يتحول من سائل طاقي إلى سائل نفيس يعجز عنه السواد الأعظم؟ المغرب ليس بلدا مصدرا للنفط، هذه حقيقة نعرفها ونحفظها منذ الصغر، ولا تشكل لنا لغزا. لكن اللغز الحقيقي يكمن في “تبريد الملفات الحارقة”؛ فقبل سنوات، فتح المجلس نفسه تحقيقا حول “سلوكات منافية للمنافسة” بعد رفع اليد عن الأسعار، وشعرنا يومها أن الدولة تقترب من قلب المعضلة.
لكن الزمن يملك قدرة عجيبة على تحويل الملفات الملتهبة إلى رماد بارد. واليوم، نعود للنقاش ليس من باب “من يربح؟”، بل من باب “كم ستخسر؟”. وبين السؤالين تكمن مسافة سياسية واجتماعية كاملة، تدفع تكلفتها نقدا عند كل محطة
المواطن العادي… سي رحو…يعوزه ترف تحليل خرائط الطاقة أو متابعة العقود في الأسواق البعيدة، لكنه يملك شيئا أقوى: “ذاكرة الأسعار”…
رحو… أنت تعلم أن المواطن يتذكر جيدا أن الـ 17 درهما ليست مجرد رقم، بل هي “عتبة الألم” الجديدة التي يتم اختبار صبره عندها. حكاية الوقود في المغرب فصولها تكتب في مراكز القوى البعيدة، لكن خاتمتها توقع في المحطات المحلية، حيث يكتشف المواطن أن “المنافسة” في بلده، ورغم فخامة اسمها، تبدو أحيانا أقل جرأة من الأسعار نفسها.
* إعلامي وباحث




