
في قلب العاصمة الفرنسية، حيث تعكس واجهة “معهد العالم العربي” تداخل الضوء والحضارة على ضفاف السين، يطوي المعهد اليوم صفحة صاخبة من تاريخه ليدخل نفقا من التحولات الجذرية التي لم تشهدها أروقته منذ تأسيسه عام 1980.
فقد أعلن جاك لانغ، وزير الثقافة الفرنسي الأسبق والرجل الذي ارتبط اسمه برئاسة المعهد لأكثر من عقد، استقالته المدوية في مطلع فبراير الجاري، تحت وطأة ضغوط سياسية وقضائية لم تترك له مساحة للمناورة، إثر تسريبات مالية عالمية ربطت اسمه بملفات “إبستين” المثيرة للجدل، مما وضع المؤسسة العريقة في مهب تحقيقات النيابة المالية الفرنسية بشبهات “غسيل أموال واحتيال ضريبي مشدد”.
لم تكن استقالة لانغ، التي بررها بالرغبة في “حماية المؤسسة”، مجرد رحيل لمسؤول إداري، بل مثلت زلزال هز أركان الدبلوماسية الثقافية الفرنسية-العربية، كاشفة عن حاجة ماسة لترميم مصداقية هذا الجسر الحضاري الذي تضرر بصورة مباشرة من التبعات القخانونية لقيادته السابقة.
وفي خضم هذا الفراغ القيادي والترقب الذي يسود الأوساط الثقافية في باريس والعواصم العربية، برز اسم أودري أزولاي، المديرة العامة لليونسكو ووزيرة الثقافة السابقة، كخيار إنقاذي استراتيجي يتصدر قائمة المرشحين لخلافة لانغ، لما تحمله من ثقل دولي وسجل حافل بالإنجازات في إدارة كبرى المؤسسات الثقافية الأممية.
إن ترشيح أزولاي، الشخصية المغربية-الفرنسية التي تجيد لغة الحوار بين الضفتين، يراه المراقبون بمثابة “طوق نجاة” لإعادة بث الروح في جسد المعهد وتطهير سمعته من ارتدادات الأزمة الأخيرة.
ومع اقتراب موعد حسم القرار في جلسة مجلس الإدارة المرتقبة منتصف فبراير، يجد معهد العالم العربي نفسه أمام لحظة الحقيقة، فالمسألة لم تعد تقتصر على سد فراغ منصبي، بل تتعلق بقدرة المؤسسة على إعادة صياغة هويتها في عالم سريع التغير، والانتقال من حقبة “الزعامات التقليدية” إلى قيادة مؤسساتية قادرة على استعادة الثقة الدولية وتعزيز الدور التنويري للمعهد كمنصة عالمية للتبادل الثقافي، بعيداً عن ظلال الشبهات القانونية والسياسية.




