الرئيسيةمجتمع

اختفاء الأطفال في المغرب بين القلق المجتمعي وحقائق الأرقام الرسمية

ج.ع

بين موجات القلق التي تجتاح منصات التواصل، وبين المعطيات الرسمية التي تحاول ضبط الإيقاع بالأرقام، تعود قضية اختفاء الأطفال في المغرب لتفرض نفسها كأحد أكثر الملفات حساسية وإيلاماً في النقاش العمومي. أسماء صغيرة تتحول في ساعات إلى قضية رأي عام، وصور معلقة على جدران المدن الافتراضية، وأسئلة ثقيلة حول حدود الحماية ومسؤولية الدولة والمجتمع.

خلال الأسابيع الأخيرة، أعادت حوادث متفرقة في عدد من الأقاليم إشعال المخاوف. في إقليم أزيلال، استنفرت السلطات إثر اختفاء تلميذة تبلغ 13 سنة قبل أن يتم العثور عليها متوفاة بضواحي بحيرة بين الويدان، بعد عمليات بحث شاركت فيها عناصر الوقاية المدنية والدرك الملكي والسلطات المحلية، وفق ما تداولته وسائل إعلام وطنية استناداً إلى مصادر محلية. وفي إقليم شفشاون، أُطلقت نداءات بحث عن رضيعة اختفت في ظروف غامضة، فيما شهد إقليم زاكورة حالات اختفاء أطفال في فترات متقاربة، من بينها طفل في عامه الأول وآخر يدعى يونس، مع استمرار عمليات البحث بحسب المعطيات المتداولة محلياً. هذه الوقائع، وإن اختلفت ملابساتها، تشترك في أثرها النفسي العميق على الرأي العام.

على المستوى المؤسساتي، تؤكد المديرية العامة للأمن الوطني أن قضايا اختفاء القاصرين تحظى بأولوية تدخل، وقد أطلقت سنة 2023 منصة رقمية للتبليغ والبحث عن الأطفال المختفين تحت اسم “طفلي مختفي”، تندرج ضمن جهود التبليغ السريع والتنسيق بين المصالح الأمنية والأسر. ووفق معطيات منشورة عبر قنوات رسمية للمديرية.

في هذا السياق تمكنت المصالح الأمنية من معالجة الغالبية الساحقة من البلاغات المسجلة، مع نسب استرجاع مرتفعة تتجاوز 80 إلى 90 في المائة من الحالات المبلغ عنها، ما يعكس فعالية آليات البحث الفوري مقارنة بسنوات سابقة.

وفي سياق مواز يظل غياب نشر إحصاء وطني دوري ومفصل حول عدد حالات اختفاء الأطفال، وأسبابها، ومآلاتها، مثار أسئلة عميقة، ويترك مساحة واسعة للتأويلات ويغذي أحيانا خطاب الهلع. في المقابل، تشير تقارير سنوية صادرة عن رئاسة النيابة العامة إلى تسجيل آلاف القضايا المرتبطة بجرائم ضد الأطفال، من بينها العنف الجسدي والجنسي والإهمال، وهو ما يكشف هشاشة بعض البيئات الاجتماعية ويطرح سؤال الوقاية قبل البحث.

وجدير بالذكر أن ظاهرة الاختفاء نفسها متعددة الأسباب. جزء مهم من الحالات ينتهي بكشف أنها هروب طوعي من المنزل أو المحيط الأسري بسبب نزاعات أو عنف أو ضغط اجتماعي. حالات أخرى ترتبط بمحاولات الهجرة غير النظامية، خاصة في المناطق القريبة من مسارات العبور، حيث يجد بعض القاصرين أنفسهم في دائرة المخاطر دون حماية كافية. كما أن المعتقدات الشعبية المرتبطة بما يُعرف بـ“الأطفال الزوهريين” عادت بين الفينة والأخرى إلى التداول، رغم أن السلطات نفت مراراً وجود معطيات موثوقة تثبت شبكات منظمة قائمة على تلك الادعاءات، معتبرة إياها جزءاً من خطاب إشاعة يفاقم الخوف أكثر مما يفسر الواقع.

وفي هذا الصدد، تؤكد جمعيات حماية الطفولة أن اختفاء الأطفال لا يمكن فصله عن سياق أوسع يشمل الفقر، والهدر المدرسي، والتفكك الأسري، وضعف آليات التبليغ المبكر. كما تدعو إلى تعزيز التوعية الأسرية، وتعميم آليات “الإنذار المبكر” على المستوى الترابي، وتحسين التنسيق بين الأمن، والسلطات المحلية، والمجتمع المدني، مع الاستثمار في الحلول الرقمية التي تتيح التبليغ الفوري وتتبع المعطيات بشكل شفاف.

بين الخوف المشروع الذي يسكن الأسر، والحقيقة التي تقتضي أرقاماً دقيقة ومعالجة مؤسساتية هادئة، تبقى قضية اختفاء الأطفال اختباراً لقدرة المجتمع على التحرك بعقل بارد وقلب يقظ. فحماية الطفولة ليست رد فعل ظرفياً أمام مأساة عابرة، بل سياسة عمومية متكاملة، تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمر عبر الأمن والقضاء، وتنتهي عند ثقافة مجتمعية تضع مصلحة الطفل فوق كل اعتبار. وفي هذا المسار، لا يكفي تداول الصور والدعوات، بل يلزم بناء منظومة ثقة تجعل من كل دقيقة بعد الاختفاء فرصة للإنقاذ، لا مساحة للذعر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى