
خالد أخازي
في أجواء الاحتفاء بعيد الوحدة وعيد المسيرة الخضراء، تحولت الدار البيضاء إلى ملتقى وطني لأطر الإدارة التربوية، بحضور تجاوز 1200 ألف مؤتمر ومؤتمرة من مختلف جهات المملكة. أزياء ولهجات وأغان وطنية تستحضر الصحراء المغربية، ولقاء نقابي يجمع بين الاعتزاز بالانتماء الوطني والتطلع إلى إنصاف مهني شامل.
لم يكن صباح السبت 7 نونبر عاديا في محيط المقر المركزي للاتحاد المغربي للشغل بالدار البيضاء. فمنذ الساعات الأولى، بدأت الوفود تتوافد تباعا، قادمة من مختلف جهات المملكة، في مشهد أخذ يتسع مع مرور الوقت، حتى بدا المكان وكأنه يستقبل المغرب كله في موعد واحد. حافلات وسيارات تحمل رجالا ونساء قطعوا مسافات طويلة، لقاءات تتجدد بعد غياب، تحيات وأحضان، وأحاديث تختلط فيها ذكريات المهنة بتطلعات المرحلة المقبلة.
من طنجة إلى الكويرة، ومن الشرق إلى الغرب، ومن المدن الكبرى إلى المناطق القروية والنائية، حج أطر الإدارة التربوية للمشاركة في المؤتمر الوطني الرابع للنقابة الوطنية لأطر الإدارة التربوية” للجامعة الوطنية للتعليم”، المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل.
لم يكن الحضور مجرد تجمع لمؤتمرين ومؤتمرات، بل كان مشهدا إنسانيا وتنظيميا يعكس اتساع هذه الأسرة المهنية، ويكشف عن قدرتها على الالتقاء حول قضايا مشتركة، مهما تباعدت مواقع اشتغال أفرادها واختلفت ظروفهم.
وقد اكتسب هذا الموعد خصوصية إضافية بالنظر إلى سياقه الوطني، حيث تتواصل أجواء الاحتفاء بعيد الوحدة وعيد المسيرة الخضراء، بما تحمله المناسبتان من رمزية تاريخية ووجدانية في الذاكرة المغربية. لذلك، لم يكن مستغربا أن تتداخل في فضاء المؤتمر مظاهر التعبئة النقابية مع مظاهر الاحتفاء الوطني، وأن تتحول القاعة إلى فضاء تتجاور فيه مطالب المهنة مع التعبير عن التشبث بالثوابت الوطنية.
كانت الأزياء المغربية المتنوعة تحكي وحدها جانبا من هذه الحكاية. فاللباس الصحراوي الأصيل الذي ميز حضور الوفد القادم من الأقاليم الجنوبية، إلى جانب خصوصيات الأزياء القادمة من مناطق أخرى، منح المشهد غنى بصريا وثقافيا. كما كانت اللهجات المغربية تتقاطع في الأروقة، في صورة تختزل تعدد الروافد التي تشكل الهوية الوطنية الجامعة.
ولعل أكثر اللحظات تعبيرا عن روح هذا اللقاء كانت تلك التي صدحت فيها الأغاني الوطنية، مستحضرة المسيرة الخضراء والصحراء المغربية، ومرددة معاني الوحدة الترابية والاعتزاز بالانتماء إلى وطن واحد. لم تكن تلك الأغاني مجرد فواصل احتفالية بين فقرات المؤتمر، بل شكلت لحظات وجدانية تفاعل معها الحاضرون، واستعادوا من خلالها ذاكرة وطنية مشتركة، ارتبطت بملحمة المسيرة الخضراء وبمسار المغرب في الدفاع عن وحدته الترابية.
وكان حضور الوفد القادم من الأقاليم الجنوبية لافتا، ليس فقط من حيث اللباس والتمثيلية، وإنما أيضا من حيث الدلالة التي يحملها وجود أبناء الصحراء المغربية في هذا الموعد النقابي. فقد حضرت الصحراء في وجوه أبنائها وبناتها، وفي الأهازيج والأغاني الوطنية، وفي التفاعل الجماعي مع لحظات الاحتفاء بالوحدة. وهكذا بدا المؤتمر، في أحد أبعاده، صورة مصغرة لمغرب يجمع بين التنوع الثقافي ووحدة الانتماء.
إن اختيار هذا التوقيت الوطني منح اللقاء معنى إضافيا، إذ التقت رمزية عيد الوحدة والمسيرة الخضراء برمزية العمل النقابي، في مشهد يؤكد أن الدفاع عن الحقوق المهنية لا ينفصل عن الإحساس بالانتماء إلى الوطن، وأن التنظيمات النقابية فضاءات للمواطنة والتضامن، كما هي أطر للترافع عن المطالب الاجتماعية والمهنية.
15 ألف مؤتمر ومؤتمرة.. تعبئة تتجاوز الحساب التنظيمي
وفق المعطيات المقدمة بشأن حجم المشاركة، تجاوز الحضور 12 ألف مؤتمر ومؤتمرة، وهو رقم يعكس مستوى التعبئة التي رافقت هذه المحطة، ويعطي مؤشرا على الامتداد الذي راكمته الجامعة الوطنية للتعليم في صفوف أطر الإدارة التربوية.
لكن قيمة هذا الحضور لا تختزل في العدد وحده. فكل مشارك جاء من موقع مهني له خصوصياته وإكراهاته، وكل وفد حمل معه انتظارات المنطقة التي يمثلها، وتجربة مؤسسة تعليمية تختلف ظروفها عن غيرها. ومع ذلك، اجتمع الجميع حول قناعة واحدة، هي أن قضايا الإدارة التربوية تحتاج إلى صوت نقابي موحد، وإلى عمل جماعي قادر على نقل انشغالات الميدان إلى فضاءات القرار والتفاوض.
مخاريق.. حضور القيادة والوفاء للمؤسسة النقابية
وسط هذا الحضور الكبير، اكتسبت مشاركة الميلودي مخاريق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، دلالة خاصة. فقد حرص على تقاسم هذه المحطة مع أطر الإدارة التربوية، في ظرف إنساني صعب أعقب وفاة والدته مؤخرا. وكانت آثار الحزن بادية على ملامحه، في مشهد يذكر بأن وراء المسؤوليات التنظيمية والسياسية النقابية حياة إنسانية لها أفراحها وأحزانها.
وقد حمل حضوره رسالة تقدير لهذا الموعد وللجامعة الوطنية للتعليم ونقابة الإدارة التربوية، كما عكس المكانة التي تحتلها التنظيمات القطاعية داخل البناء المؤسساتي للاتحاد المغربي للشغل. فالمركزية النقابية التي راكمت تاريخا طويلا في الدفاع عن حقوق الشغيلة، تجد في مثل هذه المحطات فرصة لتجديد صلتها بقواعدها، ومواكبة دينامية القطاعات المهنية، وتعزيز قدرتها على التفاوض والترافع.
إن حضور مخاريق في هذا المؤتمر، بما يمثله من امتداد مؤسساتي وتاريخ نقابي، شكل لحظة اعتراف بأهمية العمل الذي تقوم به الجامعة الوطنية للتعليم في تأطير فئة مهنية تتحمل مسؤوليات أساسية داخل المنظومة التعليمية.
معصيد.. رهان التنظيم وتوحيد الملف المطلبي
أما ميلود معصيد، الكاتب العام الوطني للجامعة الوطنية للتعليم، فقد كان هذا الموعد محطة بارزة في مسار الدينامية التنظيمية التي تقودها الجامعة داخل قطاع الإدارة التربوية. فجمع هذا العدد الكبير من الأطر من مختلف جهات المملكة يعكس عملا تعبويا وتواصليا، ويضع في الوقت نفسه أمام القيادة مسؤولية مواصلة البناء التنظيمي وتحويل التعبئة إلى قوة اقتراح وتفاوض.
وتكمن أهمية هذا المؤتمر في أنه ينعقد في مرحلة أصبحت فيها مسؤوليات الإدارة التربوية أكثر اتساعا وتعقيدا. فالمدير والمديرة لم يعودا مجرد مسؤولين عن تدبير الوثائق والشؤون الإدارية اليومية، بل أصبحا في قلب تنزيل البرامج الإصلاحية، وتدبير الموارد البشرية، ومواكبة التعلمات، والتواصل مع الأسر، وتدبير الحياة المدرسية، والتعامل مع مختلف الإكراهات التي تواجه المؤسسات التعليمية.
ومن ثم، فإن الملف المطلبي لهذه الفئة يحتاج إلى مقاربة شمولية، لا تختزل الإنصاف في مطلب منفرد أو تعويض ظرفي، وإنما تربط بين الوضعية الاعتبارية والمهنية، والتعويضات، والترقي والمسارات المهنية، والحماية القانونية والإدارية، وظروف الاشتغال، وتوفير الموارد البشرية واللوجستيكية الضرورية لممارسة المسؤولية.
ويحسب للجامعة الوطنية للتعليم أنها جعلت من هذا المؤتمر مناسبة لتجميع هذه الانتظارات في فضاء نقابي جامع، ولإعادة التأكيد على أن الإدارة التربوية ليست مجرد حلقة تنفيذية داخل المنظومة، بل فاعل أساسي في نجاح أي إصلاح تربوي.
نقابة الأطر.. صوت مهني موحد من أجل الإنصاف
كما يستحق التنظيم النقابي لأطر الإدارة التربوية التنويه بما راكمه من قدرة على جمع هذه الفئة حول مطالبها المشتركة، وعلى تحويل التعدد الجغرافي والمهني إلى مصدر قوة تنظيمية. فالنقابة التي تنجح في استيعاب اختلاف تجارب أعضائها، وتفتح المجال أمام التعبير عن انشغالاتهم، تستطيع أن تبني ثقة متبادلة تجعل من العمل الجماعي أداة فعلية للدفاع عن الحقوق.
وتتجلى أهمية هذا الدور في أن أطر الإدارة التربوية تواجه يوميا مسؤوليات متزايدة، في ظل تفاوت الإمكانات بين المؤسسات والمناطق. فهناك مؤسسات تعاني نقص الأطر والوسائل، وأخرى تواجه ضغطا متزايدا بفعل أعداد المتعلمين وتعدد البرامج، بينما يتحمل المسؤول الإداري في حالات كثيرة أعباء تتجاوز الإمكانات المتاحة له.
ومن هنا، فإن الإنصاف المهني لا يمثل مطلبا فئويا معزولا، بل شرطا من شروط استقرار المؤسسة التعليمية ونجاعة تدبيرها. فلا يمكن مطالبة الإدارة التربوية بنتائج متقدمة دون توفير شروط العمل والتحفيز والحماية والاعتراف اللازم.
مدرسة المستقبل تحتاج إلى إدارة منصفة وقوية
إن إصلاح المدرسة المغربية لا يمكن أن يتحقق بالبرامج والمذكرات وحدها. فكل مشروع تربوي يحتاج إلى إدارة ميدانية قادرة على التنزيل والتتبع والتقويم، وعلى تحويل التوجهات العامة إلى ممارسات ملموسة داخل المؤسسات. ولذلك، فإن تحسين الوضعية المهنية لأطر الإدارة التربوية هو جزء من الاستثمار في جودة المدرسة العمومية، وليس مجرد استجابة لمطلب نقابي.
مازالت أسغال المؤتمر الرابع مستمرة، مراهنة على تقديم صورة عن فئة مهنية تريد أن تكون شريكا كاملا في النقاش حول مستقبل التعليم، وأن تنتقل من موقع تحمل المسؤوليات إلى موقع الاعتراف بحقوقها ومكانتها داخل المنظومة.
في الدار البيضاء، كان عرس آخر يرافق هذا الحدث التقاب، كانت الأغاني الوطنية تستحضر المسيرة الخضراء، وكانت الأزياء الصحراوية تذكر بامتداد الوطن من طنجة إلى الكويرة، وكانت أصوات المؤتمرين تعبر عن انشغالات مهنة تتطلع إلى مرحلة جديدة من الإنصاف والتنظيم.
هكذا التقت في هذا الموعد رمزية عيد الوحدة وعيد المسيرة الخضراء بدينامية الجامعة الوطنية للتعليم، وبحضور الاتحاد المغربي للشغل بقيادة الميلودي مخاريق، وبالتعبئة التي قادها ميلود معصيد. لقاء جمع بين الاعتزاز بالوطن والدفاع عن كرامة المهنة، وبين ذاكرة المسيرة الخضراء وتطلعات المدرسة المغربية.
من طنجة إلى الكويرة، كان المغرب حاضرا في قاعة المؤتمر، بتنوعه ووحدته، بأغانيه الوطنية ورجاله ونسائه. أما الرسالة التي ينبغي أن يحملها هذا الزخم إلى المرحلة المقبلة، فهي أن الإدارة التربوية تستحق إنصافا بحجم مسؤولياتها، وأن قوة التنظيم النقابي تقاس بما يستطيع تحقيقه لأعضائه، وبما يتركه من أثر ملموس في حياتهم المهنية والاجتماعية.




