
أفادت صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية بأن المغرب أصبح خلال السنوات الأخيرة إحدى أبرز الوجهات الجاذبة للاستثمارات الصناعية الصينية، لا سيما في قطاع السيارات الكهربائية ومكوناتها، مستفيداً من موقعه الاستراتيجي وبنيته التحتية المتطورة وشبكة اتفاقياته التجارية الواسعة.
ووفقاً للصحيفة، بلغت قيمة الاستثمارات الصينية المعلنة في المغرب منذ جائحة كوفيد-19 نحو 6 مليارات دولار، ما يعكس التطور المتسارع في العلاقات الاقتصادية بين الرباط وبكين، ويؤكد تزايد اهتمام الشركات الصينية بالمملكة باعتبارها منصة صناعية ولوجستية تربط بين الأسواق الأوروبية والأمريكية والإفريقية.
ونقلت الصحيفة عن المهدي العراقي، رئيس مجلس الأعمال المغربي الصيني، أن المغرب يشهد تدفقاً منتظماً لوفود المستثمرين الصينيين، بمعدل يتراوح بين وفدين وثلاثة وفود أسبوعياً منذ انتهاء الجائحة، في مؤشر على تنامي الرغبة في إطلاق مشاريع صناعية جديدة داخل المملكة.
وأشار التقرير إلى أن منطقة “مدينة محمد السادس طنجة تيك” تعرف زخماً متزايداً في إنشاء مصانع صينية متخصصة في إنتاج مكونات السيارات الكهربائية، بما في ذلك أنظمة المكابح والمواد الأولية المستخدمة في صناعة البطاريات، ضمن استراتيجية صينية تهدف إلى تعزيز حضورها في سلاسل التوريد العالمية المرتبطة بالتحول نحو النقل المستدام.
في المقابل، أثار هذا التوسع الصناعي الصيني مخاوف متزايدة داخل الاتحاد الأوروبي، حيث ترى بعض الدوائر الأوروبية أن انتقال جزء من الإنتاج الصيني إلى دول تربطها اتفاقيات تجارية مع أوروبا قد يمنح الشركات الصينية مزايا تفضيلية تسهل وصول منتجاتها إلى الأسواق الأوروبية.
وفي هذا السياق، نقلت “فاينانشال تايمز” عن مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش قوله إن الاستثمارات الصينية في المغرب تعكس مساعي بكين إلى التعامل مع فائض طاقتها الإنتاجية عبر توجيه جزء من صادراتها من خلال شركاء تجاريين آخرين. واعتبر المسؤول الأوروبي أن هذه الظاهرة أصبحت من القضايا المهمة بالنسبة للاقتصاد الأوروبي، في ظل النقاش المستمر حول حماية الصناعات الأوروبية من المنافسة الصينية المتزايدة.
ويأتي ذلك في وقت فرض فيه الاتحاد الأوروبي رسوماً جمركية تصل إلى 45 في المائة على السيارات الكهربائية المصنعة في الصين، ما دفع عدداً من الشركات الصينية إلى البحث عن مواقع إنتاج بديلة للحفاظ على تنافسيتها داخل السوق الأوروبية.
من جهتها، تنفي الشركات الصينية أن تكون استثماراتها في المغرب مرتبطة بالتحايل على الإجراءات الأوروبية، مؤكدة أن قراراتها الاستثمارية تستند إلى اعتبارات اقتصادية وصناعية بحتة. فالمغرب يعد اليوم من أبرز مراكز صناعة السيارات في المنطقة، ويحتضن منشآت إنتاجية كبرى لمجموعتي “رونو” و”ستيلانتيس”، ما يجعله حلقة أساسية في منظومة التصنيع الموجهة للأسواق الأوروبية.
وفي هذا الإطار، أوضح جونجي كاي، مدير مشروع شركة “APG” الصينية المتخصصة في أنظمة المكابح، أن المصنع الجديد الذي تعتزم الشركة افتتاحه بمدينة طنجة خلال العام الجاري باستثمار يناهز 70 مليون دولار، سيعتمد على مزيج من الموارد البشرية والمواد المحلية المغربية إلى جانب التكنولوجيا والإمدادات الصينية، بما يضمن تحقيق قيمة مضافة مشتركة.
ويعزز المغرب جاذبيته الاستثمارية عبر مجموعة من الحوافز تشمل إعفاءات ضريبية تصل إلى خمس سنوات، وتوفر يد عاملة شابة ومؤهلة، فضلاً عن التوسع في الاعتماد على الطاقات المتجددة. كما يستفيد المستثمرون من شبكة تضم نحو 50 اتفاقية للتبادل الحر، تتيح الوصول إلى ما يقارب 2.5 مليار مستهلك حول العالم.
وتراهن المملكة على هذه الدينامية لتعزيز مكانتها ضمن سلاسل القيمة العالمية لصناعة السيارات الكهربائية، حيث سبق لوزير الصناعة والتجارة رياض مزور أن أعلن تطلع المغرب إلى بناء سلسلة صناعية متكاملة تدعم إنتاج ما يصل إلى 500 ألف سيارة كهربائية سنوياً بحلول نهاية عام 2026.
وفي مواجهة المخاوف الأوروبية، تؤكد السلطات المغربية أن المشاريع الصناعية المقامة بالمملكة تلتزم بقواعد المنشأ المعمول بها دولياً، والتي تشترط تحقيق نسبة معتبرة من القيمة المضافة محلياً للاستفادة من الامتيازات الجمركية. كما تشدد على أن المغرب ليس بوابة خلفية للمنتجات الصينية نحو أوروبا، بل شريك صناعي يسعى إلى تطوير قدراته الإنتاجية وتعزيز اندماجه في الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، أكد ياسين الإلهياني، المسؤول عن الصناعات الناشئة بالوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات، أن المملكة تنظر إلى نفسها كشريك محتمل للسياسات الصناعية الأوروبية، وليس كمنافس لها، معتبراً أن التعاون بين الرباط وبروكسيل قادر على تحقيق مكاسب مشتركة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع السيارات الكهربائية عالمياً.




