الصحافة بين الاستقلال والاستغلال والاغتيال

محمد الشمسي
تسعى الحكومة إلى الإفلات من شوهة التسجيل، وما دار وما كان وظل يدور في دهاليز تصفية الصحافيين، برر وزيرها بنسعيد أن المجلس الوطني للصحافة كمؤسسة دستورية هو مستقل عن الحكومة، لكن “على من كيغمق معاليه؟ فاستغلال الحكومة لهذه المؤسسة يتجلى في تعيين الموالين من أجل إعدام الممانعين، فلم ينل قطاع من التشرذم والفوضى والتسيب مثلما راكمته الصحافة التي هزلت وترهلت وباتت هلامية ولافقرية….
لذلك كانت المناداة بوجوب إصلاح حال السلطة التي فقدت رتبتها الرابعة مع غزو الانترنت وظهور أعراض جانبية لظاهرة “البونجات” وتناسل “الميكروفونات” واختلاط النسب مع قنوات اليوتوب، وصحافة “البورطابلات” التي حملها “صحافيون” مهجنون، بلا سابق تكوين ولا إيمان برسالة الصحافة فجعلوا من الصحافة مسخا ممسوخا وهم في ذلك يتنافسون… كان لابد من إعادة صاحبة الجلالة لبلاطها وتتويجها ملكة فوق عرشها بإنشاء مؤسسة دستورية ذات تمثيلية متجانسة ومتنوعة تضمن للصحافة هيبتها وتصون لها نبلها وتسيجها ضد كل إفرازات ضارة ومسيئة وكريهة، هبطت بالصحافة إلى ما تحت القاع…
لكن سؤال الاستقلال ظل يخنقه سؤال الاستغلال، استغلال مكشوف مفضوح للمجلس الوطني للصحافة لإغراقه بذوي القربى في التعيينات ليكونوا عيون الحكومة التي تبصر بها وآذانها التي تسمع بها ثم يد الحكومة التي تبطش بها، وتثأر بها ضد كل “الخوارج عن السطر” فانحرفت النية من الاستقلال وسقطت في الاستغلال، استغلال ماكر يغلفه الحقد والرغبة في الانقضاض على “الزميل العدو” ل”رِزيته” و”طحنه” وتجريده من كل شيء بغية الإجهاز عليه وطرحه خارج قائمة الصحافيين ليسهل الاستفراد به من طرف ذئاب القانون الجنائي، حتى يكون عبرة لكل من يقفز من الزريبة…
لذلك يلحظ الملاحظون أنه يجري إفراغ المجلس الوطني للصحافة كمؤسسة دستورية من كل قيمة ومكانة عن طريق استغلال هياكله لزرع أعضاء تبدو غريبة على جسم الصحافة من خلال “أخلاقها” ومعجم تعابيرها التي لا تجد حرجا في إحياء العصبية الجاهلية وإنشاد ترانيم الشيطان، وهنا يتحول الاستقلال الذي يغلفه الاستغلال إلى محصلة حتمية هي الاغتيال، اغتيال الصوت المزعج والمعارض و الجامح والمخالف وإنتاج صحافة شبيهة بفرقة الدقة المراكشية تجيد فقط ضبط الإيقاع خلف “مقدم الفرقة” وهالاواه زدي لاواه…
إن صحافة مستقلة استقلالا حقيقيا، ومكونة تكوينا علميا، ومؤسسة تأسيسا مهنيا، ومدبرة تدبيرا مهاريا، هي عين المجتمع التي لا تنام، هي الوخز بالإبر الصيني الناجع، هي الحارس اليقظ حين يغفو الجميع، هي التيار الذي يهابه كل من في جوفه شيء من الفساد، هي نيران لمن في “كرشو التبن”، تلك هي الصحافة التي إذا قيل لابد من وأن تترك لأهلها لتنظيمها كان الانتقاء والتعيين للأهل الشرعيين ممن يستمدون شرعيتهم من قواعد زملالهم وزميلاتهم لا أن يتحول التعيين إلى سيوف بتارة تقطف أصابع المخالفين والمختلفين والمنتقدين…
لذلك لا يمكن الوثوق بشعارات تحرير الصحافة من أغلالها باستقلال صوري يخفي رغبة الفاسدين والمفسدين في التخلص من الأضواء الكاشفة الفاضحة، ويمنحهم القدرة على التحكم فيها لإخضاعها وترويضها وقلع أسنانها ومخالبها وجعلها بلهاء خرقاء، ذليلة كليلة، زاحفة على البطن تحت الموائد حتى لا أقول فوق الأسِرّة…
فلننظر أي صحافة نريد؟…
( قل لي من أنت؟ وماذا تريد؟ أقول لك أي صحافة تناسبك)




