
القسم الاقتصادي
بينما العالم يتحول بسرعة نحو الدفع الرقمي والشفافية المالية، يصر المغرب على التشبث بالنقد. السيولة تهيمن على 77% من حجم المعاملات و30% من الناتج الداخلي الخام. اقتصاد يزدهر في الظل، ونظام مالي تحت الضغط، ودولة تفقد الإيرادات يومياً.
الاقتصاد الموازي ليس مجرد رقم، بل خندق كامل يهرب فيه أكثر من ثلث الناتج المحلي من الضرائب والرقابة. ملايين الوحدات الإنتاجية تتعامل بالنقد لتجنب الالتزامات، وحتى بعض الشركات الرسمية لا تتورع عن استخدام هذا القناة للتقليل من أعباء الضرائب. النتيجة فجوة هائلة في الإيرادات، وبيئة غير متكافئة بين المؤسسات، وخرق صارخ لمبادئ الشفافية والمنافسة.
البنوك عاجزة عن مواكبة الطلب على النقد. السحب الهائل يقلص الودائع المتاحة للتمويل، ويجبر بنك المغرب على ضخ مليارات الدراهم يوميا لتفادي نفاد السيولة في الصرافات الآلية. المشاريع الصغيرة والمتوسطة تدفع الثمن، والاستثمار يتباطأ، والاستقرار المالي مهدد.
القوانين القائمة عاجزة أو ثغراتها واضحة. دفع الرواتب نقداً مسموح، والسحب الكامل من الفروع بعد إشعار مسبق أمر قانوني. القيود الضريبية على النقد موجودة، لكنها شبه بلا تأثير. النظام يكاد يكون مشلولاً أمام فوضى السيولة النقدية.
النتيجة قاتلة: تراجع الإيرادات الضريبية، توسع الاقتصاد الموازي، تأخر الرقمنة، ضعف تنافسية المؤسسات، وحرمان الدولة من الاستثمار في البنية التحتية والخدمات العامة. المغرب لا ينهض بالاقتصاد، بل يختنق ببطء تحت وطأة النقد الذي أصبح عبئاً أكثر من كونه أداة.
الوقت ينفد. الاقتصاد لا ينتظر. إذا لم تتحرك الدولة فورا، سيظل المغرب رهين النقد إلى أجل غير مسمى، ودورة الفوضى المالية ستتعمق، تاركة الاقتصاد أسيراً لممارسات تجاوزتها كل الاقتصادات الحديثة.




