الرئيسيةسياسة

المغرب والولايات المتحدة.. شراكة تقليدية تتحول إلى دور استراتيجي في السلام

تشهد العلاقات المغربية-الأمريكية في السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً يتجاوز إطار التعاون الثنائي التقليدي، ليعكس تموضع المغرب كشريك استراتيجي فاعل في مجالات السلم والأمن الإقليمي والدولي.

فالتقارب المتسارع بين الرباط وواشنطن لم يعد محصوراً في الأبعاد السياسية أو الاقتصادية، بل امتد ليشمل هندسة مقاربات جديدة لتدبير النزاعات وتعزيز الاستقرار. ويتجلى ذلك بوضوح في الدعوة الموجهة إلى جلالة الملك محمد السادس للانضمام كعضو مؤسس إلى مجلس السلام الدولي المزمع إطلاقه بمبادرة أمريكية، وهي دعوة تعكس مستوى عالياً من الثقة السياسية التي تحظى بها المملكة لدى صناع القرار في واشنطن.

هذا التقدير الأمريكي يستند إلى سياسة خارجية مغربية متوازنة وبراغماتية، مكنت الرباط من الحفاظ على علاقات متوازنة مع الفاعلين المتناقضين، خصوصاً في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث يجمع المغرب بين الشرعية الدينية والسياسية من خلال رئاسته لجنة القدس، وبين قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف الشركاء الدوليين.

ولا يمكن فهم هذا التطور بمعزل عن الإرث التاريخي للعلاقات المغربية-الأمريكية، إذ كان المغرب أول دولة تعترف بالولايات المتحدة سنة 1777، فيما تم تحديث هذا الإرث باستمرار عبر اتفاقيات استراتيجية، أبرزها اتفاقية التبادل الحر لسنة 2004، والتعاون الدفاعي والأمني، وصولاً إلى الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء سنة 2020.
وشكل التصريح الثلاثي بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل في ديسمبر 2022 نقطة تحول مفصلية، إذ انتقل التعاون من الدعم السياسي إلى الشراكة الجيوسياسية في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب والتنسيق الاستخباراتي.

ويعكس انخراط المغرب في مجلس السلام المرتقب تحول دوره الدولي من دولة داعمة للاستقرار إلى فاعل مشارك في صناعته، مستفيداً من خبراته في الوساطة الدبلوماسية في ليبيا، ومسارات السلام في إفريقيا جنوب الصحراء، ومساهماته في عمليات حفظ السلام تحت مظلة الأمم المتحدة.
ومن منظور أمريكي ودولي، يُنظر إلى المغرب كـ قوة إقليمية معتدلة، تجمع بين عناصر الاستقرار الداخلي، الشرعية المؤسساتية، والقدرة على التفاعل المرن مع التحولات الجيوسياسية، مما يجعله شريكاً موثوقاً في زمن يتسم بعدم اليقين الدولي.

ورغم أن مجلس السلام يركز على تسوية النزاعات في الشرق الأوسط، فإن انضمام المغرب إليه يفتح آفاقاً أوسع للتنسيق المغربي-الأمريكي في قضايا دولية أخرى، من قبيل أمن الساحل والصحراء، الهجرة غير النظامية، الأمن الطاقي، ومكافحة التطرف العنيف.
ويعزز هذا التموقع قدرة المغرب على الدفاع عن قضاياه الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، من موقع الشريك الفاعل ضمن شبكة تحالفات دولية.

باختصار، دخلت العلاقات المغربية-الأمريكية مرحلة جديدة، تنتقل فيها من التعاون إلى تقاسم الأدوار، ومن الدعم الظرفي إلى الشراكة الاستراتيجية بعيدة المدى، وتُجسد دعوة جلالة الملك للانضمام إلى مجلس السلام هذا التحول، معززة حضور المغرب كقوة إقليمية وازنة ذات مصداقية وتأثير في معادلات السلم والأمن الدوليين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى