
يشهد المغرب خلال صيف 2026، على غرار المواسم السابقة، ضغطا متزايدا على منظومة الوقاية من حرائق الغابات، في ظل ارتفاع عدد الحرائق المسجلة منذ بداية السنة إلى 310 حرائق حتى 20 يوليوز، بزيادة تناهز 32 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
غير أن اللافت في هذه المعطيات هو تراجع المساحات التي طالتها النيران إلى نحو 1850 هكتارا، مقابل حوالي 2660 هكتارا خلال الفترة ذاتها من عام 2025، وهو ما يعكس تحسنا في سرعة رصد الحرائق والتدخل للحد من انتشارها، رغم ارتفاع عدد البؤر المسجلة.
لكن ارتفاع وتيرة الحرائق يطرح تحديا يتجاوز مجرد القدرة على إخماد النيران، ويتمثل في مدى قدرة المغرب على الانتقال من التدخل بعد اندلاع الحريق إلى الوقاية منه قبل وقوعه. فالتغيرات المناخية، وارتفاع درجات الحرارة، وتفاقم جفاف الغطاء النباتي، إلى جانب العوامل البشرية، تجعل مواسم الحرائق أكثر تعقيدا، وتفرض تطوير المقاربة المعتمدة من الاستجابة الطارئة إلى الوقاية الاستباقية.
وفي هذا السياق، شرع المغرب في اعتماد خرائط دورية لتحديد المناطق الأكثر عرضة لخطر الحرائق، بالاستناد إلى مجموعة من المعطيات المرتبطة بالغطاء الغابوي والعوامل المناخية والطبوغرافية، فضلا عن درجة قابلية الغطاء النباتي للاشتعال.
غير أن التحدي لا ينتهي بمجرد إخماد النيران، إذ تمثل مرحلة ما بعد الحريق جزءا أساسيا من معركة حماية الغابة. فالمناطق التي تعرضت للحرائق تحتاج إلى تشخيص دقيق لحجم الأضرار، وحماية التربة من الانجراف، والحد من تدهور المناطق المتضررة، حتى لا تتحول إلى مساحات أكثر هشاشة وقابلية للاشتعال خلال المواسم المقبلة.
كما تتطلب عملية إعادة التأهيل اختيار أصناف نباتية تتلاءم مع الظروف المناخية المحلية، وتتمتع بقدرة أكبر على مقاومة الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، بما يضمن استعادة التوازن البيئي ورفع قدرة الغابة على الصمود أمام التغيرات المناخية.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة بناء الغابات لا ينبغي أن تقتصر على تعويض الأشجار التي أتت عليها النيران، بل يتعين أن تتحول إلى عملية بيئية متكاملة تراعي طبيعة المنطقة وخصائصها المناخية والبيئية، وتعيد بناء منظومة غابوية أكثر قدرة على التكيف مع المخاطر المستقبلية.
وفي الجانب الوقائي، يبرز الاستثمار في صيانة المسالك الغابوية، وتجديد وتوسيع الخطوط والمناطق العازلة، وتهيئة نقاط المياه، وإزالة الغطاء النباتي القابل للاشتعال، إلى جانب تعزيز المراقبة الجوية والأرضية وتطوير أنظمة الإنذار المبكر والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بمناطق الخطر.
وقد خصصت السلطات خلال سنة 2026 نحو 150 مليون درهم لدعم منظومة الوقاية والتدخل، تشمل صيانة الحواجز النارية، وتأهيل المسالك الغابوية، وتهيئة نقاط المياه، في خطوة تعكس توجها تدريجيا نحو الاستثمار في تقليص مخاطر الحرائق قبل اندلاعها، بدل الاكتفاء بالتعامل معها بعد وقوعها.
غير أن حماية الغابة على المدى الطويل تتطلب أيضا النظر إليها باعتبارها مجالا اقتصاديا واجتماعيا، وليس مجرد غطاء نباتي. فالمجالات الغابوية تضم جماعات وسكانا ترتبط أجزاء من أنشطتهم اليومية والاقتصادية بالموارد الطبيعية، وهو ما يجعل إشراك السكان المحليين في جهود المراقبة والوقاية عاملا أساسيا في الحد من مخاطر الحرائق.
ويقتضي ذلك أيضا توفير بدائل اقتصادية تقلل الضغط على الموارد الغابوية، وربط حماية الغابات ببرامج التنمية القروية والسياحة البيئية وتثمين المنتجات الغابوية. فكلما أصبحت حماية الغابة مصلحة مباشرة للسكان، تحولت الوقاية من مسؤولية تقع على عاتق الإدارة وحدها إلى مسؤولية جماعية تشارك فيها مختلف الأطراف.
وبناء على ذلك، فإن ارتفاع عدد الحرائق المسجلة بالمغرب لا ينبغي أن يقود إلى قراءة تشاؤمية فقط، خصوصا في ظل تراجع المساحات المتضررة مقارنة بالسنة الماضية، بل يمكن أن يشكل مناسبة لإعادة التفكير في سياسة تدبير الغابات وتعزيز قدرتها على مواجهة المخاطر الجديدة.
فالمعركة الحقيقية لم تعد تقتصر على إخماد الحريق بعد اندلاعه، وإنما أصبحت تتمثل في منع الحريق التالي، ثم إعادة تأهيل المناطق المتضررة بطريقة تجعل الغابات أكثر قدرة على الصمود أمام مناخ يتسم بارتفاع الحرارة وتزايد فترات الجفاف.
ومن هنا، يبرز الرهان المقبل في تعزيز الاستثمار في الإنذار المبكر والوقاية، وتسريع إعادة تأهيل المناطق المحروقة، واختيار غطاء نباتي أكثر ملاءمة للظروف المناخية، وإشراك السكان المحليين في حماية المجال الغابوي، بما يحول دون تحول الحرائق المتكررة من حوادث موسمية إلى تهديد مستمر يستنزف الثروة الغابوية للمغرب.




