
قال هشام معتضد، الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية، إن الدبلوماسية الدفاعية للمملكة المغربية أضحت من بين أبرز الأدوات السيادية التي تُجسّد مفهوم الاستقلال الاستراتيجي في ظل نظام دولي يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة، مؤكداً أن الرباط نجحت في الانتقال من منطق التبعية الوظيفية في المجال الأمني إلى منطق الشراكات المتقاطعة التي تتيح لها هامشاً واسعاً من المناورة والتموقع الذكي داخل خريطة القوى العالمية.
وأوضح معتضد أن هذا التحول يعكس قراءة استراتيجية عميقة للتحولات البنيوية التي يعرفها النظام الدولي، في سياق يتسم بتراجع منطق القطب الواحد وصعود عالم متعدد الأقطاب قائم على شبكات مرنة من التعاون، بدل التحالفات الجامدة والاصطفافات التقليدية. وأضاف أن المغرب يتموقع داخل هذا السياق كـ«فاعل متوسط ذكي»، يدرك أن التعددية القطبية لا تعني الاصطفاف الآلي مع هذا المحور أو ذاك، بل تفرض تنويع الهوامش الاستراتيجية وصون استقلالية القرار الدفاعي.
وأشار الباحث إلى أن الدبلوماسية الدفاعية المغربية لم تعد تقتصر على تحديث الترسانة العسكرية، بل باتت تسعى إلى بناء توازن دقيق يسمح للمملكة بالتحرك بمرونة داخل شبكة معقدة من المصالح الدولية المتداخلة، معتبراً أن القوة في النظام العالمي الناشئ تكمن في القدرة على نسج جسور أمنية متعددة الأبعاد، تجمع بين التكنولوجيا الغربية المتقدمة وخبرات دول صاعدة.
وفي تصريح لـدوزيم، أبرز معتضد أن الانفتاح المتزامن للمغرب على شركاء من قبيل الولايات المتحدة وباكستان يعكس تموقعاً استراتيجياً محسوباً داخل النظام الدولي، يقوم على الاستفادة من تنوع العقائد القتالية ونماذج التصنيع الدفاعي، بما يتيح بناء شبكة أمان استراتيجية قادرة على امتصاص التحولات المفاجئة في سياسات القوى الكبرى دون الارتهان لمحور واحد.
وبخصوص التعاون المغربي-الباكستاني، أوضح الباحث أنه يندرج ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى، بالنظر إلى ما راكمته إسلام آباد من خبرة في مجالات التصنيع الدفاعي منخفض التكلفة، والحرب غير المتكافئة، والأمن السيبراني، مؤكداً أن هذه الخبرات تكتسي أهمية خاصة في مرحلة بناء صناعة دفاعية وطنية مغربية، لكونها تقوم على نقل المعرفة العملية وليس الاكتفاء باقتناء العتاد.
واعتبر معتضد أن تنويع الشراكات العسكرية خيار استراتيجي فرضته معطيات الموقع الجيوسياسي للمغرب عند تقاطع الفضاءين المتوسطي والأطلسي، إلى جانب التحديات الأمنية المرتبطة بمنطقة الساحل والصحراء، ما يستدعي مقاربة دفاعية بعيدة المدى تقوم على تقليص المخاطر وبناء قدرات متعددة المصادر في بيئة إقليمية غير مستقرة.
وأكد الباحث أن الدبلوماسية الدفاعية المغربية تحولت إلى أداة نفوذ دبلوماسي بامتياز، بالنظر إلى ما تتيحه العلاقات العسكرية من مستويات عالية من الثقة طويلة الأمد، وقدرتها على فتح قنوات تأثير داخل دوائر القرار لدى الدول الشريكة، وهو ما يجعل من التعاون الدفاعي رافعة أساسية لتثبيت المواقف المغربية في القضايا الاستراتيجية، وفي مقدمتها القضايا السيادية.
وختم معتضد بالتأكيد على أن المغرب بات يوظف دبلوماسيته الدفاعية لإعادة صياغة صورته كـمنتج للأمن وليس مجرد مستهلك له، من خلال الانخراط في التدريبات المشتركة وتبادل الخبرات وتعزيز مقاربات الأمن الإقليمي، معتبراً أن هذا التوجه يعزز الوزن التفاوضي للمملكة إقليمياً ودولياً، ويكرس نموذجاً متقدماً لدولة متوسطة قادرة على الجمع بين القوة الصلبة وأدوات القوة الناعمة في نظام دولي متعدد الأقطاب.




