الرئيسيةكتاب الرأيمن الزيرو... مع نهرو...

سفيان نهرو*: عبد اللطيف معزوز “رئيس الأزمات”: يرهن مستقبل أكبر جهة اقتصادية في التدبير الهاوي

أحرر هذا العمود وأنا أستحضر قولة في أدبيات السياسة، مفادها أن “الأغلبية المريحة هي لعنة مقنعة حين تسقط في يد قيادة تفتقد لـ “كاريزما” الضبط الميداني”، وهذا هو التوصيف الأدق للحالة للنفق التدبيري الذي تعيش في متاهاته جهة الدار البيضاء سطات تحت إمرة عبد اللطيف معزوز، الذي وصفه الصحافي الساكت في تدوين له” المهزوز”… ولكم أن تحللوا هذا الوصف ودلالته القوية.

دعونا… نتذكر أت الرجل  جاء من أبراج الوزارة العاجية و وغرق في منطق التكنوقراط الجاف ليجد نفسه غريقا في “أغلبية المصالحة الجارية”…  تلك المنافع التي اهتزت الحسابات الانتخابية الضيقة وصراعات “المقابر” وفطور رمضان.

فبينما كان ينتظر من وزير التجارة الخارجية الأسبق أن يحول القلب الاقتصادي للمغرب إلى “سنغافورة أفريقية” بمخططات تنموية عابرة للقارات، تقزم المشهد في عهده ليتحول إلى حلبة صراع بدائي بين مكونات تحالف “الميزان” و”الحمامة” و”الجرار”، في مشهد يطرح سؤالا وجوديا: هل يدير معزوز فعلا جهة بحجم دولة، أم أنه مجرد “رئيس صوري” استسلم لابتزاز التحالفات التي تنهش ميزانية تقدر بالمليارات؟

التدقيق في مسار عبد اللطيف معزوز داخل مجلس الجهة يكشف عن فجوة هائلة بين “البروفايل” الأكاديمي والمهني للرجل وبين “الواقعية السياسية” التي تتطلبها إدارة مدينة قارة كالدار البيضاء، فمنذ نيله تزكية الـ 67 صوتا سنة 2021، اعتقد معزوز أن لغة الأرقام والتقارير التقنية كافية لشراء صمت الحلفاء وطموحات المعارضة، لكنه اصطدم بواقع مرير مفاده أن السياسة في الدار البيضاء لا تدار بـ “داتا شو”، بل بالتوازنات والقدرة على لجم الأطماع.

وتابعت شخصيا انفجار هذه الفقاعة السياسية في دورات المجلس، لتعري عن تصدع جدار الأغلبية الهش، حيث لم يعد الخلاف يدور حول “الرؤية التنموية 2022-2027” أو جلب الاستثمارات الأجنبية، بل انحدر النقاش إلى مستويات دنيا تتعلق بتدبير مقبرة “الإحسان” بمديونة، في مفارقة مضحكة مبكية تعكس ضياع البوصلة لدى معزوز المجلس الذي استبدل مشاريع البنية التحتية العملاقة بالبحث عن توافقات حول فضاءات الدفن.

هذا الانحدار في مستوى النقاش السياسي لم يكن سوى القمة الظاهرة من جبل الجليد، فالاحتقان الذي تفجر في قاعة الاجتماعات بمديونة انتقل سريعا إلى ما عرف بـ “أزمة الفطور الرمضاني”، حين قرر استقلاليو معزوز إشهار ورقة “المقاطعة” في وجه عمدة الدار البيضاء نبيلة الرميلي، في خطوة رمزية من حيث التوقيت، لكنها عميقة من حيث الدلالات السياسية.

في هذا السياق سلطت هذه الواقعة  الضوء على  معزوز المعزول الفاقد السيطرة على “كتيبته” الحزبية، أو ربما وهذا  افترضه بارك خفية هذا النوع من “الابتزاز السياسي” للضغط على شركائه في التحالف الثلاثي، مما حول المؤسسة الجهوية إلى رهينة في يد حسابات “البلوكاج” المتبادل.

مع الأسف…فبدل أن تكون الجهة قاطرة تجر خلفها الجماعات الترابية نحو الرخاء، أصبحت هي نفسها عبئا ثقيلا يفرمل طموحات العاصمة الاقتصادية، ويغرقها في نقاشات سفسطائيى لا تسمن ولا تغني من جوع المواطن البيضاوي الذي ينتظر حلولا لمعضلات النقل والتهميش الاجتماعي.

وتتوالى متاعب معزوز بدءا من الصراعات الحزبية، لتطال جوهر الحكامة داخل البيت الداخلي للجهة، حيث تعالت أصوات المعارضة، وحتى بعض “الأصدقاء اللدودين” داخل الأغلبية، منددة بما وصفوه بـ “الاستقواء الحزبي” في توزيع كعكة المشاريع والاتفاقيات، فالاتهامات تلاحق معزوز بتغليب منطق “الولاء للميزان” في توجيه الدعم والاعتمادات المالية نحو جماعات ترابية بعينها يقودها حزبيون استقلاليون، مما يضرب في الصميم مبدأ “العدالة المجالية” التي يتشدق بها الخطاب الرسمي للمجلس.

هذا النفس “الإقطاعي المعزوزي” في تدبير الميزانية المليارية يضع علامات استفهام كبرى حول نزاهة المسطرة المتبعة في انتقاء المشاريع، ويجعل من برنامج التنمية الجهوية مجرد “قائمة تسوق” سياسية تهدف لضمان أصوات استحقاقات 2026 قبل أوانها، وهو ما يعزز الانطباع بأن معزوز ليس إلا “محاسبا بارعا” لصالح مصلحة حزبه الضيقة على حساب المصلحة العامة للجهة.

ولن ننسى قضية “الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع” القطرة التي أفاضت الكأس، بعد تواتر تقارير إعلامية تتحدث عن اختلالات تدبيرية ومالية داخل هذا الذراع التنفيذي للجهة، فالرجل الذي يفترض فيه الصرامة “التكنوقراطية” وجد نفسه في قفص الاتهام بخصوص غياب آليات الرقابة الفعالة على صفقات ومشاريع تلتهم ميزانيات ضخمة، إن هذا الارتباك في التدبير المالي يزكي فرضية “الرئيس المتفرج” الذي يترك الخيوط تتحرك في الخفاء بينما يكتفي هو بالظهور في الصور البروتوكولية وتدبيج البلاغات الإنشائية، فالمواطن البيضاوي لا يهمه عدد الاتفاقيات الموقعة فوق الورق بقدر ما يهمه الأثر الملموس على أرض الواقع، وهو الأثر الذي يبدو خافتا في ظل غياب قيادة ميدانية قادرة على تحويل “الملايير” إلى إنجازات حقيقية تفك العزلة عن هوامش الجهة المنسية في سطات وبرشيد والجديدة.

إن مأساة تجربة عبد اللطيف معزوز تكمن في أنه “سياسي بلا مخالب” في غابة من الوحوش الانتخابية، فهو يفتقد للقدرة على الحسم وإدارة الخلافات قبل أن تتحول إلى “فضائح” علنية تلوكها الألسن في المقاهي السياسية.

فحين تصل الأمور إلى حد الصراعات حول تدبير المقابر أو مقاطعة موائد الإفطار، فهذا يعني أن الهيبة السياسية لرئاسة المجلس قد تآكلت تماما، وأن الرجل فقد “كاريزما” الإقناع ولم يتبق له سوى منطق “الأمر الواقع” الذي يفرضه بقوة الأغلبية العددية الهشة، والدار البيضاء، بطبعها المتمرد وحيويتها الاقتصادية، لا تقبل بأن تدار بمنطق “المدير الإداري” الذي ينتظر التعليمات، بل تحتاج لمسؤول يمتلك الجرأة على اتخاذ القرارات الصعبة ومواجهة اللوبيات التي تتحكم في مفاصل الجهة، وهو ما فشل فيه معزوز بامتياز طيلة نصف ولايته الأولى.

ومع اقتراب ساعة الحقيقة الانتخابية، يجد معزوز نفسه محاصرا بين مطرقة حصيلة تقنية باهتة وسندان تحالف سياسي متفسخ، فالمؤشرات الاقتصادية للجهة لا تعكس حجم الميزانيات المرصودة، والتوترات الاجتماعية في الأقاليم التابعة للجهة تزداد حدة، بينما يغرق المجلس في “حروب الزعامة” الوهمية.

إن الرهان على اسم “عبد اللطيف معزوز” كمنقذ للجهة يبدو اليوم مراهنة خاسرة في نظر الكثيرين، فالرجل الذي لم يستطع ضبط “كتيبته” الحزبية ولا حلفاءه في “مقبرة” أو “مائدة فطور”، كيف له أن يدير تحولات اقتصادية كبرى أو يواجه تحديات المناخ والماء والبطالة في أكبر قطب اقتصادي؟

الحقيقة المرة هي أن معزوز أصبح “رئيس أزمات” لا “رئيس حلول”، وأن عهده سيذكر في تاريخ الجهة كفترة “الضياع الكبير” بين طموحات التكنوقراط وعجز السياسيين.

في نهاية المطاف، لا يمكن قراءة أداء معزوز بمعزل عن أزمة النخب السياسية التي تفتقد للعمق الشعبي وتكتفي بالتحصن خلف “التحالفات الهجينة”، والدار البيضاء سطات، تلك “المرآة القاسية” التي تعكس واقع المغرب، لا ترحم الضعفاء، فمعزوز اليوم ليس فقط في مواجهة المعارضة أو الصحافة، بل هو في مواجهة مباشرة مع فشل ذريع في تحويل “التفويض الشعبي” إلى “سيادة مؤسساتية”، وإذا استمر الحال على ما هو عليه من صراعات حول “الفروع” وترك “الأصول”، فإن حصيلة الرجل لن تتجاوز كونها “قصة إخفاق” لشخصية تكنوقراطية ابتلعتها رمال السياسة المتحركة في الدار البيضاء، لتترك خلفها جهة غنية بمواردها، فقيرة بقيادتها، ومثقلة بصراعات لم يجن منها المواطن سوى “الوعود” والانتظار.

* إعلامي وباحث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى