صحافيون مع وقف التنفيذ إلى حين…

سفيان نهرو
لا أحد من الصحافيين يتوفر على البطاقة المهنية عن عام 2026….فلجنة مجاهد ” التغيزية” صاحبة” ملحمة ” لو بيتو مو” حزمت حقائبها بعد فضائح متتابعة… وتركت وضعا مبهما، يجعل كل صحفي منتحلا للصفة…والقانون الجنائي سيف ديموقليدس فوق رقبته…كأن الوضع مبرمج… وأن هذا الباب المسدود خطط له في زمن سياسي وما قبل انتخابي، ليشد كل صحفي جيدا حزام السلامة… ويمارس على قلمه رقابة أشد من رقابة القانون… وبالتالي… فالمخرجات: كتابات ناعمة… ما بغا صداع…
تعيش الصحافة بلا شك اليوم وضعية قانونية ملتبسة تطرح أسئلة جوهرية حول دولة القانون وحماية حرية التعبير. فبين نصوص دستورية تؤكد حرية الصحافة، وممارسة يومية تخضع الصحفيين لمنطق الزجر الجنائي، تتكرس مفارقة حقوقية خطيرة تجعل من العمل الصحفي نشاطا محفوفا بالمخاطر القانونية بدل كونه حقا محميا.
لقد أنشئت اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر باعتبارها حلا استثنائيًا بعد تعثر تجديد هياكل المجلس الوطني للصحافة، أو بالأحرى ” تعثير”… الانتخابات…غير أن هذا “الاستثناء” تحول إلى وضع دائم، خارج الآجال القانونية، ودون تحقيق الغاية الأساسية المعلنة، وعلى رأسها ضمان تنظيم المهنة وحماية الصحفيين.
ومع انتهاء صلاحيات هذه اللجنة، برزت ملفات الاختلالات والخروقات… وكان تسريب واحد كاف لنفهم أننا أمام لجنة حددت أدوارها… وأريد لها أن تكون عصا في يد الباطرونا والأسماء للأسف اللاوطني…. والدليل ما يخطط له بنسعيد لتكتمل صورة سيطرة النفوذ المالي على الصحافة.
مع مطلع هذا العام وجد الصحفيون أنفسهم في فراغ مؤسساتي واضح، تتحمل الدولة مسؤوليته القانونية والسياسية… بلا هوية مهنية… إلى حين…
أخطر ما أفرزته هذه الوضعية هو أن عددا كبيرا من الصحفيين لم يحصلوا على البطاقة المهنية، لا بسبب غياب الممارسة الصحفية، بل نتيجة اختلالات مسطرية وغياب الشفافية والطعون الفعالة… والآن… لا أحد صحافي…
ما يعني عمليا أن هؤلاء الصحفيين يشتغلون دون سند مهني معترف به، في وقت يستعمل فيه هذا الفراغ لتكييف المتابعات على أساس القانون الجنائي، بما يحمله من عقوبات سالبة للحرية وغرامات ثقيلة. وهنا لا يعود النقاش مهنيا، بل يصبح مسألة حقوق إنسان بامتياز… على كل حال ألفنا لي عنق القانون…
لكن الأدهى من ذلك أن البطاقة المهنية نفسها لم تعد تشكل ضمانة قانونية كافية. فحتى الصحفيون الحاصلون عليها ظلوا عرضة للمتابعة بمقتضيات القانون الجنائي بدل قانون الصحافة والنشر، في تناقض صريح مع روح الإصلاحات التشريعية التي أعلنتها الدولة منذ 2016، ومع المعايير الدولية التي تشدد على عدم تجريم أفعال النشر والرأي. وقد نبهت منظمة “مراسلون بلا حدود” مرارا إلى لجوء السلطات القضائية في المغرب إلى الالتفاف على قانون الصحافة عبر توظيف فصول من القانون الجنائي لإسكات الصحفيين المنتقدين أو المتابعين لقضايا الفساد .
من منظور حقوقي، يشكل هذا الوضع مساسا بمبدأ الأمن القانوني، أحد أعمدة دولة الحق والقانون. فالصحفي لا يستطيع اليوم التنبؤ بالإطار القانوني الذي سيحاسب على أساسه، ولا بالحدود الفاصلة بين الممارسة المهنية والمتابعة الجنائية.
كما يتعارض ذلك مع الفصل 28 من الدستور المغربي، الذي ينص صراحة على حرية الصحافة وعدم تقييدها إلا بالقانون، ومع التزامات المغرب الدولية، خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يؤكد أن أي قيود على حرية التعبير يجب أن تكون ضرورية ومتناسبة وواضحة.
التقارير الحقوقية الدولية سجلت هذا التراجع بقلق واضح، معتبرة أن استمرار تجريم الصحفيين يشكل عائقا أمام حرية الإعلام ويغذي الرقابة الذاتية، ويضعف دور الصحافة في مراقبة الشأن العام. فقد أشارت منظمة “هيومن رايتس ووتش” إلى أن المتابعات الجنائية ضد الصحفيين في المغرب تقوض الثقة في الإصلاحات المعلنة، وتتناقض مع المعايير الدولية لحرية التعبير .
لا يتعلق الأمر بأزمة بطاقات مهنية فقط، ولا بلجنة مؤقتة انتهت صلاحيتها، بل بإشكال بنيوي في تصور جهة ما نافذة للصحافة: هل هي شريك في البناء الديمقراطي أم مصدر إزعاج يجب ضبطه؟ إن استمرار هذا الوضع يضع جميع الصحفيين، دون استثناء، تحت طائلة المتابعة الجنائية، ويجعل حرية الصحافة مكسبا نظريا لا سند له في الواقع.
ومن منظور حقوقي خالص، فإن أي إصلاح حقيقي يمر عبر إنهاء هذا الفراغ المؤسساتي، واحترام قانون الصحافة، ووقف تجريم العمل الصحفي، بما ينسجم مع الدستور والتزامات المغرب الدولية، وإلا ستظل الصحافة تشتغل في منطقة رمادية، يدفع ثمنها الحق في المعرفة والمجتمع برمته.
الله يحد لباس…




