
حين تغيب المسافة بين «المسؤول» و«المستفيد»…تطفو على السطح شبهات تضارب المصالح، والمثال الصارخ والمحرج للطبقة السياسية وجهاز الرقابة، يسافر عبر وثيقة عجيبة مسربة من جماعة سيدي حجاج واد حصار.
الخطاب العمومي الرقابي يتسم بتشديد الرقابة المركزية على تدبير الشأن المحلي وتعزيز آليات التخليق وربط المسؤولية بالمحاسبة، لكن هذه النازلة الغريبة أعادت إلى الواجهة قضية إدارية مثيرة للجدل داخل جماعة سيدي حجاج واد حصار بإقليم مديونة، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول حدود السلطة، وتجرد المسؤول العمومي، واحترام قواعد الحكامة الجيدة.
القضية تتعلق بوثيقة رسمية تعود إلى سنة 2016، تشير إلى منح رئيس الجماعة إذنا بالتقسيم العقاري لفائدة نفسه، موقعاً القرار بصفته رئيسا للجماعة وسلطة ترخيص، وفي الوقت نفسه مستفيداً مباشرا من هذا الإذن بصفته طالباً له.
و في هذا الصدد، وكأننا في بلد العجائب، تكشف الوثيقة الإدارية، المسماة «إذن بالتقسيم رقم 23/2016»، عن وضعية إجرائية غير مألوفة، بل سريالية حيث تقدم المواطن المعني الرئيس نفسه بالطلب بخصوص تقسيم قطعة أرضية معروفة باسم «بلاد مريس»، ليتم التأشير على الطلب والمصادقة عليه من طرف الشخص نفسه الذي يشغل منصب رئيس الجماعة. هذا التداخل الصارخ بين صفة المرتفق وصفة المسؤول العمومي في وثيقة واحدة، أعاد إلى النقاش مفهوم تضارب المصالح، وحدود السلطة التقديرية المخولة لرؤساء الجماعات الترابية.
محللون قانونيون عدوا هذه الحالة مثالا نموذجيا … حيا وفاضحا لتضارب المصالح كما هو منصوص عليه في القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات.
في هذا السياق بلغة درجة ” التجرؤ التدبيري العبثي” أن يوقع مسؤول جماعي على قرار إداري يحقق له مصلحة شخصية مباشرة، يخرق مبدأ الحياد ويقوض قاعدة المساواة بين المواطنين أمام المرفق العمومي، ويحول هذا الأخير من أداة لخدمة الصالح العام إلى وسيلة لتحقيق منافع ذاتية.
هل الأمر اختزاله في مجرد خطأ إداري أو سهو مسطري، هذا ما ستجيب عنه مصالح لفتيت…لأنها الفعل يرقى إلى مستوى الانحراف في استعمال السلطة، ذلك أنه حسب المتابعين للشحن المحلي مخالف للقوانين المؤطرة للتعمير والتجزئات، ومنها القانون رقم 25.90، التي لا تمنح لرئيس الجماعة صلاحية الترخيص لنفسه في وضعية تضارب واضحة.
كان الأجدر، تفاديا للحرج القانوني، اللجوء إلى مسطرة التفويض أو الامتناع عن البت في الطلب، ضمانا للنزاهة وحماية للقرار الإداري من الشبهة.
كما يبرز في هذا السياق عنصر المسؤولية الشخصية والمباشرة، باعتبار أن القرار لم يصدر عن هيئة تداولية أو عن مداولة للمجلس الجماعي، بل هو قرار انفرادي موقع من رئيس الجماعة بصفته سلطة تنفيذية، ما يجعله من حيث المبدأ قابلا للمساءلة الإدارية والقضائية متى ثبت تعارض المصلحة الخاصة مع الواجبات القانونية المرتبطة بالمنصب.
وتأتي هذه الواقعة في ظرفية وطنية تتسم بتشديد الخطاب الرسمي حول محاربة استغلال النفوذ وتعزيز الشفافية في تدبير الشأن العام، حيث تنص الفصول 36 و154 و155 من الدستور على مبادئ النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتلزم المرافق العمومية باحترام معايير الحكامة الجيدة.
ويرى متابعون أن مثل هذه الممارسات، إن ثبتت، لا تكتفي بخرق النصوص القانونية، بل تساهم في إضعاف الثقة في المؤسسات المنتخبة، وتعزز الإحساس بانتقائية تطبيق القانون، خاصة في قضايا التعمير والعقار التي تظل من أكثر المجالات حساسية.
لم تعد قضية جماعة سيدي حجاج واد حصار مجرد ملف إداري مرتبط بتقسيم عقاري، بل تحولت إلى اختبار عملي لمدى جدية تفعيل مبادئ التخليق وربط المسؤولية بالمحاسبة على المستوى المحلي.
فدولة القانون، كما يردد الفاعلون الحقوقيون، لا يمكن أن تستقيم حين يلبس المسؤول قبعة المستفيد ويوقع بيده على امتيازاته الخاصة، وهو ما يفتح الباب أمام تدخل محتمل لأجهزة التفتيش التابعة لوزارة الداخلية للتدقيق في أرشيفات الجماعة والتحقق من سلامة المساطر، تفاديا لتكرار نماذج مماثلة تسيء لصورة التدبير المحلي وتفرغ مفهوم الحكامة من محتواه.




