اقتصادالرئيسيةوطني

سد “تيفار”: رهان المليار متر مكعب لتطويق أزمة العطش.. هل تسبق “العدالة المجالية” وضع حجر الأساس؟

تضع المملكة المغربية اللمسات الأخيرة لإطلاق مشروع سد “تيفار” بحوض اللوكوس خلال سنة 2025، في تحول استراتيجي يهدف إلى كبح الهدر المائي في الشمال الغربي وتأمين احتياجات البلاد المتزايدة.

هذا الإعلان الصادر عن وزير التجهيز والماء، نزار بركة، يأتي في ظرفية وطنية حرجة اتسمت بتوالي سنوات الجفاف، مما دفع الدولة إلى إعادة النظر في منظومة التخزين الحالية التي تعتمد بشكل شبه كلي على سد وادي المخازن، المنشأة التي دخلت الخدمة في أواخر السبعينيات بسعة تقارب 672 مليون متر مكعب.

المشروع الجديد، الذي أُدرج ضمن برمجة قانون المالية لسنة 2025 بسعة تخزينية تصل إلى نحو 900 مليون متر مكعب، سيتحول إلى أكبر منشأة مائية في الحوض، مما يعكس رغبة الدولة في استغلال الوفرة النسبية للتساقطات في أقاليم العرائش ووزان وتطوان. وتكمن ضرورة هذا السد في معالجة مفارقة تصريف كميات مهمة من المياه نحو البحر خلال فترات الفيضانات بسبب محدودية القدرة الاستيعابية الحالية، وهو ما يعد خسارة لا تقدر بثمن في ظل انتقال المغرب إلى عتبة الإجهاد المائي الحاد.

ومن الناحية الاقتصادية، تبرز الجدوى الاستراتيجية لسد “تيفار” عند مقارنته ببدائل تحلية مياه البحر، فبينما تتطلب التحلية استثمارات ضخمة وطاقة تشغيلية مكلفة ترفع سعر المتر المكعب بشكل ملحوظ، يوفر السد وسيلة تخزين أقل كلفة على المدى الطويل، خاصة لأغراض الري الفلاحي في سهل اللوكوس المنتج للفواكه الحمراء والحوامض.

غير أن هذه الجدوى تظل رهينة بمدى التحكم في ظاهرة “التوحل” التي تفتك بسعة السدود المغربية سنوياً، ومدى قدرة المنشأة على الصمود أمام تقلبات المناخ العنيفة.
وعلى المستوى الاجتماعي، يواجه المشروع تحديا يتمثل في “القبول المجتمعي” وتحفظات الساكنة المحلية على الأراضي والملكيات الخاصة التي سيشملها حوض التخزين.

هذا الواقع يضع السلطات أمام اختبار حقيقي للتوفيق بين المصلحة الوطنية العليا ومتطلبات العدالة المجالية؛ إذ يتطلب الأمر نظام تعويضات منصفاً وإجراءات إدماج فعالة لتفادي أي احتقان اجتماعي. فنجاح السد لن يقاس فقط بكمية المياه المحتجزة، بل بمدى إنصاف الإنسان الذي سيخلي مكانه لهذه المنشأة السيادية.
ختاماً، لا ينبغي النظر إلى سد “تيفار” كحل معزول، بل كحلقة ضمن رؤية شاملة للربط بين الأحواض المائية وتحديث شبكات الري المتهالكة. إن الاستثمار في هذه البنية التحتية الضخمة هو رهان على المستقبل المائي للمملكة، حيث يتطلب النجاح دمج الصرامة التقنية مع الإنصاف الاجتماعي، وضمان تحول هذا الفائض المائي من الشمال إلى رافعة حقيقية للتنمية الوطنية في سياق إقليمي تتعاظم فيه كلفة كل متر مكعب مهدور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى