الرئيسيةسياسة

بين المصالح والاعتماد المتبادل.. المغرب وإسبانيا ترسخان شراكة استراتيجية

لم تعد العلاقات المغربية الإسبانية قابلة للقراءة من خلال الملفات التقليدية وحدها، كما لم يعد من الممكن اختزالها في قضايا الهجرة والتعاون الأمني أو الخلافات التاريخية المرتبطة بسبتة ومليلية المحتلتين. فقد أصبحت العلاقة بين الرباط ومدريد أكثر تشابكاً، وتحكمها شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والجيوسياسية والاستراتيجية، تجعل كل طرف في حاجة إلى الآخر، وإن اختلفت طبيعة هذه الحاجة ودرجة التأثير من ملف إلى آخر.

فإسبانيا، بحكم موقعها الجغرافي وقربها المباشر من شمال إفريقيا وتشابك مصالحها مع المغرب، تجد نفسها أمام حقيقة جيوسياسية يصعب تجاوزها. فالمغرب لم يعد مجرد دولة مجاورة، بل أصبح شريكاً أساسياً في استقرار المجال المتوسطي والغربي، وفي أمن الحدود الجنوبية لأوروبا، وتدبير تدفقات الهجرة، والتعاون الأمني، ومكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود.

وفي المقابل، يحتاج المغرب بدوره إلى إسبانيا باعتبارها بوابة اقتصادية وسياسية مهمة نحو أوروبا، وشريكاً تجارياً رئيسياً، فضلاً عن الروابط الصناعية والاستثمارية وممرات الطاقة والتبادل الاقتصادي التي نسجها البلدان على مدى عقود.

ومن هنا، يمكن قراءة العلاقات المغربية الإسبانية من خلال ثلاث مقاربات مترابطة: الواقعية السياسية، والاعتماد المتبادل المعقد، والتبادل غير المتكافئ. فوفق منطق الواقعية، تتحرك الدول أساساً لحماية مصالحها وتعزيز أمنها ومكانتها، ولذلك لا تقوم العلاقة بين الرباط ومدريد على الصداقة بمعناها العاطفي، ولا على التطابق الكامل في المواقف، وإنما على إدراك متبادل بأن كلفة القطيعة أو الصدام أصبحت مرتفعة بالنسبة إلى الطرفين.

أما نظرية الاعتماد المتبادل المعقد، فتبدو أكثر قدرة على تفسير طبيعة العلاقة الحالية، إذ لا يرتبط المغرب وإسبانيا بقناة واحدة من المصالح، وإنما بشبكة واسعة من الملفات المتداخلة، تشمل الطاقة والكهرباء والتجارة والاستثمارات والهجرة والأمن والنقل البحري والفلاحة والسياحة والثقافة والجالية.

وهذا التعدد في قنوات الاتصال يجعل من الصعب على أي طرف التعامل مع الآخر باعتباره مجرد جار يمكن الاستغناء عنه بسهولة، خصوصاً أن المصالح المشتركة أصبحت ممتدة إلى قطاعات استراتيجية تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية.

وفي مجال الطاقة، تبرز إسبانيا بالنسبة إلى المغرب كشريك مهم في الربط الكهربائي والمبادلات الطاقية، فيما تجعل التحولات التي يشهدها سوق الطاقة في غرب البحر الأبيض المتوسط التعاون بين الضفتين أكثر أهمية. فالمغرب يراهن على تطوير الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر وتعزيز موقعه كمركز إقليمي للطاقة، بينما تبحث إسبانيا وأوروبا عن مصادر قريبة وموثوقة للطاقة النظيفة.

وفي مجال الكهرباء، أصبح الربط بين البلدين أحد أبرز مظاهر هذا الاعتماد المتبادل. فالمغرب وإسبانيا لا يفصل بينهما البحر فقط، بل تربطهما أيضاً بنية تحتية استراتيجية تسمح بتبادل الطاقة، وهو ما يوضح كيف تحولت الجغرافيا، التي كانت تاريخياً مجالاً للفصل، إلى مجال للربط والمصالح المشتركة.

وتتجلى العلاقة نفسها في المجال التجاري، إذ ترتبط إسبانيا بالمغرب بتبادل واسع للسلع والخدمات، يشمل المنتجات الصناعية والمواد الأولية والسيارات ومكوناتها والمنتجات الفلاحية. كما أصبح السوق المغربي مجالاً مهماً لنشاط الشركات الإسبانية، سواء في البناء والبنية التحتية والطاقة والخدمات أو في مجالات الاستثمار والصناعة.

وفي الاتجاه المقابل، أصبح المغرب جزءاً متزايد الأهمية من سلاسل الإنتاج والتوريد بالنسبة إلى الاقتصاد الإسباني، خصوصاً في ظل التحولات التي تشهدها أوروبا والبحث عن سلاسل توريد أقرب جغرافياً وأكثر مرونة.

وهنا لم يعد المغرب مجرد مصدر للمواد الأولية أو سوق استهلاكية، بل تحول تدريجياً إلى قاعدة صناعية ولوجستية قريبة من أوروبا. غير أن هذا الاعتماد المتبادل لا يعني بالضرورة وجود تكافؤ كامل بين الطرفين.

فهنا تبرز مقاربة التبادل غير المتكافئ، إذ إن العلاقة بين دولتين تختلفان من حيث الوزن الاقتصادي والمؤسساتي والانتماء إلى فضاءات جيوسياسية مختلفة لا يمكن أن تكون متوازنة بشكل مطلق. فإسبانيا عضو في الاتحاد الأوروبي وتمتلك إمكانات اقتصادية ومؤسساتية كبيرة، بينما يظل المغرب شريكاً من خارج هذا الفضاء.

غير أن المفارقة الجديدة تكمن في أن المغرب استطاع خلال السنوات الأخيرة بناء أوراق قوة خاصة به. فموقعه الجغرافي، ودوره في تدبير تدفقات الهجرة، وتطوره الصناعي، وموانئه، ومكانته في سلاسل التجارة بين أوروبا وإفريقيا، ومشاريعه المستقبلية في الطاقة والبنية التحتية، كلها عوامل ساهمت في إعادة تشكيل ميزان العلاقة.

ويكفي التوقف عند ملف الهجرة، الذي أصبح نموذجاً واضحاً على أهمية التعاون بين الطرفين. ففي كل مرة تشهد فيها سبتة أو مليلية ضغطاً متزايداً بسبب محاولات الهجرة غير النظامية، يظهر الدور المغربي باعتباره عاملاً أساسياً في احتواء الوضع.

وهو ما سبق أن أكده وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، عندما اعتبر أن التنسيق مع الرباط كان حاسماً في احتواء أزمة سبتة الأخيرة، مع عودة نسبة كبيرة من المهاجرين خلال فترة وجيزة.

ويكشف هذا المعطى إحدى أهم حقائق العلاقة المغربية الإسبانية: إسبانيا تحتاج إلى المغرب من أجل أمن حدودها، كما يحتاج المغرب إلى التعاون الإسباني والأوروبي في ملفات اقتصادية واستراتيجية متعددة.

كما جعل التعاون الأمني، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتبادل المعلومات، العلاقة الثنائية جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي في غرب البحر الأبيض المتوسط. وهنا يصبح من الصعب الفصل بشكل كامل بين أمن المغرب وأمن إسبانيا، لأن التهديدات العابرة للحدود لا تعترف بالمسافات السياسية.

ولا تتوقف المصالح المشتركة عند الحاضر، بل تمتد إلى مشاريع المستقبل، خصوصاً في مجال الربط القاري. فمشاريع الربط الطاقي والنقل والبنية التحتية، إلى جانب الطموح التاريخي لإنجاز نفق يربط إفريقيا بأوروبا عبر مضيق جبل طارق، تعكس حجم الرهان الاستراتيجي الذي تمثله العلاقة بين البلدين.

وفي حال تحقق مشروع الربط القاري مستقبلاً، فقد تنتقل العلاقة المغربية الإسبانية من مجرد علاقة جوار بحري إلى نموذج جديد من الترابط الجغرافي والاقتصادي، حيث تتقاطع شبكات النقل والطاقة والتجارة وحركة الأشخاص.

لكن جوهر الشراكة المغربية الإسبانية لا ينبغي أن يختزل في ما يمكن أن يقدمه المغرب لإسبانيا في مجالات الهجرة والأمن والطاقة، أو ما يمكن أن تقدمه إسبانيا للمغرب في التجارة والاستثمار والولوج إلى الأسواق الأوروبية.

فالعلاقة الاستراتيجية تحتاج أيضاً إلى توازن في التعامل مع قضايا الإنسان والهوية والثقافة. فالمواطن المغربي المقيم في إسبانيا لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد عنصر في ملف الهجرة، كما أن ارتباطه الثقافي أو اللغوي أو الديني بالمغرب لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر توتر في حد ذاته.

لقد أنتجت الجغرافيا بين المغرب وإسبانيا علاقة معقدة لا تسمح بالقطيعة، وعمقت المصالح الاقتصادية هذه العلاقة، ثم جاء الاعتماد المتبادل في الطاقة والتجارة والأمن والهجرة ليجعل التعاون ضرورة استراتيجية بالنسبة إلى الطرفين.

غير أن المستقبل قد يفرض مستوى أعلى من هذا التعاون، خاصة في ظل مشاريع الربط بين القارتين، والتحولات التي تعرفها سلاسل التوريد العالمية، وصعود الاقتصاد الأخضر، والبحث الأوروبي عن شركاء قريبين في مجالات الصناعة والطاقة.

وفي هذا السياق، يبدو المغرب وإسبانيا أمام مرحلة جديدة. فمنطق الواقعية يقول إن كل دولة ستواصل الدفاع عن مصالحها، ومنطق الاعتماد المتبادل يقول إن هذه المصالح أصبحت مرتبطة بشكل متزايد، بينما يكشف منطق التبادل غير المتكافئ أن التوازن الكامل غير موجود، وأن لكل طرف أوراق قوة مختلفة.

لكن التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من مجرد إدارة المصالح إلى بناء شراكة أكثر توازناً ونضجاً. فالشراكة تعني الاعتراف بأن المغرب يحتاج إلى إسبانيا، لكن إسبانيا تحتاج بدورها إلى المغرب، وأن الجغرافيا لا يمكن تغييرها، وأن المضيق الذي يفصل بين البلدين يمكن أن يتحول في الوقت نفسه إلى جسر للمصالح المشتركة.

فالمستقبل المغربي الإسباني لن تحدده فقط الاتفاقات التجارية والدوريات الأمنية وأرقام المبادلات الاقتصادية، بل ستحدده أيضاً القدرة على إدارة ملفات الهوية والثقافة والدين بمنطق الاحترام المتبادل.

ذلك أن الشراكة التي تستطيع إدارة المصالح قد تكون سهلة نسبياً، لكن الشراكة القادرة على إدارة الاختلافات والهويات والذاكرة هي التي يمكن أن تتحول فعلاً إلى علاقة استراتيجية مستدامة.

وبين منطق القوة الذي تفرضه الواقعية، وشبكة المصالح التي يفسرها الاعتماد المتبادل، واختلالات القوة التي تكشفها علاقات التبادل غير المتكافئ، يقف المغرب وإسبانيا أمام حقيقة واحدة: لا يستطيع أي منهما رسم مستقبله في غرب البحر الأبيض المتوسط وكأنه قادر على الاستغناء عن الآخر.

فالمغرب ليس مجرد بوابة إسبانيا نحو إفريقيا، كما أن إسبانيا ليست مجرد بوابة المغرب نحو أوروبا. وبين الضفتين تتشكل اليوم مصالح مشتركة تتجاوز مجرد الجوار، وربما يكون الرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة هو تحويل هذا الاعتماد المتبادل من ضرورة جغرافية إلى شراكة أكثر توازناً، تحترم المصالح كما تحترم الإنسان، وتحمي الأمن كما تحمي الهوية، وتبني المستقبل دون أن تطلب من أي طرف التخلي عن ذاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى