
لم تكن ليلة الأحد في إقليم تارودانت مجرد ليلة عاصفة، بل كانت مشهداً مُحكماً لمواجهة استباقية بين إرادة وقائية وبين قوى طبيعية جامحة. فتحت وطأة عاصفة “فرانسيس” وارتفاع منسوب سد مولاي عبد الله إلى مستويات حرجة، تحولت المنطقة إلى مختبر حي لفاعلية التدخل المبكر، حيث كانت أولويات إنقاذ الأرواح قبل وقوع الكارثة هي اللغة الوحيدة السائدة.
على إيقاع هطول الأمطار الغزيرة وصفارات الإنذار المتواصلة، نسجت السلطات المحلية، بتنسيق عسكري دقيق مع عناصر الدرك الملكي والقوات المساعدة، شبكة أمان بشريّة. لم يكن الهدف انتظار الخطر، بل تفكيك سيناريوهاته قبل أن تبدأ. فمع إطلاق كميات مائية مُحكمة من السد لتخفيف ضغطه، انطلقت في الوقت ذاته عمليات إخلاء احترازية شملت دواوير (أمشرك، الفيض، آيت مجوط، آيت خريف، وآيت الطالب)، الواقعة على خط نار مجرى واد سيدي عبد الله المتوحش.
لم تكن المهمة سهلة؛ فإقناع الأسر بمغادرة منازلهم وممتلكاتهم ومواشيهم، تحت جنح الظلام والمطر، كان معركة تحسيسية موازية. لكن الحوار المدعوم باليقظة والسرعة حال دون أي تردد قد يكون باهظ الثمن. نُقلت الأسر إلى مناطق مرتفعة آمنة، فيما استقبلت مؤسسات اجتماعية جُهزت مسبقاً آخرين، في مشهد يعكس التخطيط الدقيق لمجابهة الطوارئ.
هذه العملية لم تكن رد فعل عشوائياً، بل هي حلقة في سلسلة مقاربة وقائية راسخة بالمنطقة، تدرك جيداً تاريخ واد سيدي عبد الله كمجرى مائي خَطِر، وتأثيراته التي تمتد حتى وادي سوس. إنها فلسفة تحوّل الدروس المريرة من كوارث سابقة إلى بروتوكولات فعلية تُقدِّم الإنسان على كل اعتبار.
اليوم، وبينما تواصل الفرق الميدانية تعبئتها على مدار الساعة، مراقبة نبض الوادي وتقلبات السماء، تبقى صورة نجاح المرحلة الأولى طمأنة حقيقية. لقد نجح خط الدفاع البشري المنظم في تحويل مسار تهديد محتمل إلى قصة سيطرّة واحتراز، مؤكداً أن أعظم انتصارات المواجهات مع الطبيعة، تتحقق عندما تُخمد المخاطر قبل أن تشتعل.




