الاتحاد الاشتراكي يستفيق فجأة: صرخة بعد أن غادر القطار

عمر سياسي لأخوة لشكر طبعه بالصمت والانتظار لمدة، تفهمنا أن الأمر استراتيجي، فباب المشاركة في الحكومة ظل مفتوحا… لا نعرف… أتوهيما أم فقط رجاء سياسي لا يقطع شعرة معاوية مع أخنوش…
وهنا برز الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في انتفاضة بلا طعم شعبي، كمن يستفيق فجأة بعد سبات طويل. سنوات من المهادنة والمراقبة الخافتة، ولاية كاملة قربت على حزم حقائبهل، عاشها با إدريس بمنطق الترقب حد التربص، مع الدفع بخطاب” نحن الأحق بتنزيل الدولة الاجتماعية”… لكن الباب ظل مغلقا… والصمت السياسي كان مكلفا اجتماعيا وشعبيا وسياسيا… ورهانا خسارا في انتظار غودو الذي لم يطرق أبدا محطة حزب الوردة.
مضت الولاية دون أن يطلق الحزب صرخته الحقيقية، تاركا لمجال لمناورات المال العام والتحركات الميدانية التي لم يسبق مساءلتها بجدية.
ثم فجأة، وكأن عقارب الساعة تذكره بمسؤولياته، قرر الاتحاد رفع صوته، موجها سهامه مباشرة نحو وزير الاقتصاد والمالية، فوزي لقجع، متهما إياه بالاستغلال الانتقائي للمال العام لصالح أجندات حزبية ضيقة، وتحويل المشاريع الحكومية إلى أدوات انتخابية قبل الأوان…
ياك… يا با لشكر… هل انتهى زمن المديح حد العشق في لقجع…؟ لكن من حقك أن تنتفض…. فقد عدت بخفي حنين، ولم يكافئوا صمتك… بل لقد تربصوا حتى بإخوتك في المؤسسات الدستورية والسيادية، حد التجرؤ الوضيع على الملك.
المفاجأة ليست في مضمون الانتقاد، بل في توقيته الحاد والمفاجئ بعد سنوات من الصمت شبه التام. السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم يعارض الحزب منذ البداية؟ لماذا لم يستثمر موقعه في البرلمان لمراقبة الإنفاق العام ومساءلة المسؤولين قبل أن تصل الأمور إلى ما هي عليه اليوم؟ بدلا من ذلك، جلس الاتحاد، مترقبا؛ كمن يراقب عرضا مسرحيا…منتظرا اللحظة المناسبة للانقضاض على المشهد السياسي وإطلاق الصرخة الحقيقية… كلنا نعرف…. أن با إدريس لم يفقد الأمل في المشاركة الحكومية… ما لا نعرفه هو التسويات الخفية… لا يهم… فالوردة قررت ألا تسمح لبستاني المال بسرقة عطرها…
نعلم أن هذه الصرخة، مهما بلغت شدتها، ليست وليدة موقف نقدي مستمر أو رؤية استراتيجية واضحة، بل جاءت كرد فعل على غياب الفرص السابقة وفقدان الرهانات. سنوات من الصمت الطويل، تراكمات من الانتظار، وخيبة آمال تكتيكية جعلت النقد السياسي الحالي يبدو وكأنه مفاجأة سريعة بعد أن فات وقت الفعل الحقيقي.
المفارقة الأشد مرارة تكمن في أن الاتحاد، بعد كل هذا الغياب، يقدم نفسه اليوم كحارس للمال العام والمدافع عن العدالة المجالية والإنصاف الاجتماعي، وكأن السنوات السابقة لم تمر، وكأن الصمت الطويل لم يسجّدل في ذاكرة المواطنين.
النقد الذي يطلق اليوم يبدو أكثر استعراضا رمزيا من كونه مبادرة إصلاحية فعلية، خاصة حين ينظر إلى التوقيت الذي اختاره الحزب.
الجلسات البرلمانية الأخيرة أصبحت مسرحا واضحا لهذه الصرخة المتأخرة. الهجوم على لقجع لم يكن مجرد بيانات كلامية، بل تجسيدا لوعي شعوري جماعي داخل الحزب بأنه يجب استعادة دوره، وإظهار وجوده أمام الرأي العام، بعد أن ظل صامتا طويلا… لكن، رغم حدة اللغة، لم تطرح حلول عملية أو مقترحات واضحة لمعالجة اختلالات الميزانية أو الاستفادة المثلى من المال العام، ما يحول الموقف النقدي إلى لغة هجومية أكثر منها أدوات إصلاحية.
في الوقت ذاته، لا يمكن فصل هذا التحول عن الاستعدادات السياسية القادمة، حيث يبرز الحزب نفسه أمام القاعدة الشعبية، محاولا استعادة جزء من صورته المفقودة. الهجوم على لقجع، وإن بدا موضوعيا…يكتسب معنى أوسع إذا اعتُبر جزءاً من استراتيجية لإعادة التموضع السياسي، بعد سنوات من الجمود والمهادنة الطويلة.من زاوية أخرى، تكشف هذه الصحوة السريالية عن ازدواجية زمن المعارضة: زمن الانتظار الطويل، وزمن الصرخة المتأخرة.
الاتحاد الذي كان بإمكانه ممارسة دوره النقدي منذ البداية، اختار أن يبني تأثيره على التوقيت أكثر من الجوهر، فوجد نفسه مضطراً اليوم إلى مواجهة الواقع بصوت مرتفع، بعد أن تراكمت القضايا بلا مساءلة حقيقية.
السخرية السياسية السوداء هنا تكمن في أن المعارضة اليوم تقدم نفسها وكأنها اكتشفت فجأة أن المال العام يحتاج إلى مراقبة، وأن المواطن بدأ يشعر بالاختلالات المالية والاجتماعية التي تراكمت على مدى السنوات الماضية. المواطن نفسه قد يتساءل: أين كان هذا الصوت قبل الآن؟ ولماذا لم يُسجّل اعتراض مماثل حين كانت هناك فرص واضحة لممارسة الرقابة الفعلية؟
الدرس الأكبر من هذه الصحوة المتأخرة هو أن المعارضة الحقيقية لا تبنى على صرخات اللحظة، بل على متابعة مستمرة وتحليل معمّق، واستباق التحولات السياسية قبل أن تصبح مجرد ردود فعل على واقع مضى. النقد الذي يأتي متأخرا لا يغيّر مسار السياسات، بل يضيف فقط عنصر الضوضاء الرمزية إلى نقاشات البرلمان، دون تأثير ملموس على الأداء العام أو على حياة المواطنين اليومية.
في هذا السياق، يواجه الاتحاد تحديا مزدوجا: إعادة بناء مصداقيته لدى الجمهور، واستعادة دوره كمراقب مستقل وفاعل، لا كمن يختار اللحظة المناسبة فقط للظهور السياسي. المعارضة التي تنطلق من موقف متأخر، مهما ارتفعت حدتها، لا تحدث الفرق إلا إذا صاحبتها خطط عملية وتصورات استراتيجية متكاملة لمعالجة الاختلالات ومساءلة المسؤولين.
يبدو أن الاتحاد الاشتراكي، في صرخته الأخيرة ضد لقجع، يواجه اختبارا حقيقيا… هل ستتحول صحوته المتأخرة إلى قوة نقدية فاعلة ومستقلة، أم ستظل مجرد صرخة رمزية في مجلس مكتظ بالضوضاء والهتافات، بعد أن فات القطار بالفعل.




