الرئيسيةجهات وأقاليممجتمع

بزنس ملاعب القرب.. كيف تحولت فضاءات الإدماج إلى مشاريع “مدرة للدخل” الخاص بالفداء؟

 كرويط محمد

لا تشكل مقاطعة الفداء بدرب السلطان فقط ذاكرة الأحياء الشعبية، بنبض شبابها وشغف طفولتها، بل علامة أخرى على” شغف” الغنيمة باستغلال بشع لمداخيل ملتبسة المساطر، مبهمة المسار. 

 ملاعب القرب في هذه المقاطعة تحول من فضاء اجتماعي يفترض أن يفتح أبوابه أمام الجميع، إلى نقطة استفهام مالية وإدارية كبرى تثير الكثير من الجدل والقلق، فالثمن المحدد في 150 درهما للساعة يضع هذه الفضاءات خارج متناول فئات واسعة من أبناء المنطقة، خاصة في سياق اقتصادي يضغط بقوة على الأسر ذات الدخل المحدود التي تصارع لتأمين لقمة العيش.

لنحسبها بدقة…

فإذا كان كل ملعب يشتغل ثماني ساعات فقط في اليوم، وأن الفضاء يضم ما لا يقل عن ستة ملاعب، فإن العائد اليومي يصل إلى 7200 درهم، وعلى امتداد ثلاثين يوما، يقفز الرقم إلى 216 ألف درهم شهريا، وهذا التقدير يظل متحفظا للغاية.

وفي هذا السياق تؤكد المعاينة الميدانية أن الملاعب تشتغل طيلة اليوم إلى حدود منتصف الليل، ما يعني أن المداخيل الفعلية قد تتجاوز هذا السقف بكثير، مما يطرح السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح حول مصير هذه المبالغ الضخمة، ومن هي الجهة المكلفة فعليا بالاستخلاص والتدبير، وهل نحن أمام تدبير مباشر من طرف المقاطعة أم أن هناك تفويضا لجمعية أو شركة خاصة، وإذا كان الأمر كذلك، فأين هي دفاتر التحملات، وأين هي آليات المراقبة والمحاسبة التي تضمن حماية المال العام من أي تبديد أو سوء تدبير.

المثير للقلق في هذا الملف أن الوصل المسلم للمستفيدين غير مختوم، وهو مجرد ورقة مطبوعة بلا طابع رسمي أو كاشي إداري يثبت هوية الجهة المستخلصة، وفي أبسط قواعد الشفافية المالية، تقتضي أي عملية استخلاص عمومي أو شبه عمومي وثيقة تحمل معطيات واضحة، رقما تسلسليا، ختم الجهة المفوض لها، وتوقيع المسؤول.

في هذا الصدد، فغياب هذه العناصر يفتح الباب واسعا أمام الشكوك، ويضرب مصداقية عملية الاستخلاص، ويجعل أي شخص قادرا على نسخ الوثيقة وإعادة استعمالها دون أثر محاسباتي حقيقي يمكن تتبعه.

في سياق مواز، يندرج تدبير المرافق العمومية المحلية ضمن اختصاصات الجماعات الترابية وفق ما ينص عليه القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، الذي يلزم باعتماد مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما أن استخلاص أي مقابل مالي من المرتفقين يفترض تأطيرا بقرار جبائي أو تسعيرة مصادق عليها من طرف سلطات الرقابة، مع نشرها للعموم وتمكين المواطنين من الاطلاع عليها، وفي غياب هذا الوضوح، يتحول الحق في الولوج إلى الرياضة إلى عبء مالي ثقيل، ويتحول المرفق العمومي إلى فضاء رمادي يغيب فيه القانون وتحضر فيه العشوائية.

وجدير بالذكر، أن الاستراتيجية الوطنية لتشييد ملاعب القرب تهدف أساسا إلى تعزيز الإدماج السوسيورياضي، ومحاربة الإقصاء الاجتماعي في المناطق الهشة، وتطوير المهارات الرياضية للناشئة،.

وفي هذا الصدد، تؤكد التصريحات الرسمية الصادرة عن الوزارة الوصية وقطاع الرياضة في عدة مناسبات أن هذه الملاعب ليست مشاريع ربحية، بل هي مرافق لخدمة الصالح العام، أما بخصوص طريقة التدبير، فالتوجه الرسمي يسير نحو إبرام اتفاقيات شراكة تجمع بين الجماعات الترابية ووزارة التربية الوطنية والرياضة والسلطات المحلية، مع التأكيد على أن التسيير يجب أن يوكل لجمعيات رياضية محلية جادة وفق دفاتر تحملات صارمة، أو لشركات التنمية المحلية لضمان الاحترافية، إلا أن الواقع في مقاطعة الفداء يبدو منفصلا تماما عن هذه التوجهات، حيث يغيب الوضوح حول كيفية اختيار الجهات المسيرة ومدى التزامها بتلك الأهداف الاجتماعية السامية.

في المقابل، يمثل مبلغ 150 درهما للساعة عبئا ثقيلا على شباب عاطل، وعلى أطفال يبحثون عن متنفس آمن بعيدا عن مخاطر الشارع، وعلى أسر بالكاد تؤمن ضروريات الحياة، وفي أحياء مثل درب السلطان، حيث تشكل الرياضة وسيلة أساسية للاندماج ومحاربة الانحراف، يفترض أن تكون ملاعب القرب أداة للعدالة المجالية لا مصدرا إضافيا للإقصاء الاجتماعي.

فالمبدأ في مثل هذه الفضاءات هو المجانية أو على الأقل اعتماد تسعيرة رمزية تراعي القدرة الشرائية المحدودة للسكان، مع إقرار نظام دعم واضح للفئات الهشة والجمعيات الرياضية النشيطة.

إن الرهان اليوم ليس فقط في معرفة حجم المداخيل التي قد تتجاوز ربع مليون درهم شهريا، بل في ترسيخ ثقافة الإفصاح والمساءلة، فنشر تقارير دورية حول الموارد والمصاريف، وتوضيح طبيعة الجهة المسيرة، واعتماد وصولات قانونية مختومة ومرقمة، وإشراك الساكنة في تتبع هذا المرفق، كلها خطوات كفيلة بإعادة الثقة المفقودة، لأن المال الذي يدفعه المواطن، ولو كان مقابلا لخدمة بسيطة، يظل مالا عموميا حين يرتبط بمرفق عمومي شيد بأموال دافعي الضرائب.

للإشارة فالمسألة تتجاوز الحسابات الرقمية، إنها سؤال عدالة وشفافية، وسؤال حق شباب الفداء في ملعب مفتوح لا في فاتورة مغلقة، فهل تتدخل الجهات الوصية لضبط هذا الفضاء الرمادي وتطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى