زلزال التفتيش يفضح صفقات الجماعات بضواحي الدار البيضاء وفاس، ويفك لغز المواصفات التقنية “على المقاس”

تتصاعد في الآونة الأخيرة، ومع مطلع سنة 2026، حدة النقاشات العمومية بالمغرب حول شبهات تكرار فوز شركات محددة بصفقات عمومية وسندات طلب داخل عدد من الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، وهو المعطى الذي يضع مبادئ المنافسة الحرة وتكافؤ الفرص على محك الاختبار الحقيقي.
فمع تواتر تقارير رقابية، وآخرها التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025 المنشور في يناير 2026، تبرز أسئلة جوهرية حول مدى نجاعة المساطر المعتمدة وقدرة آليات الرقابة على كبح جماح أي اختلالات محتملة قد تشوب عملية إنفاق المال العام، خاصة في ظل ارتفاع عدد منازعات الصفقات العمومية أمام القضاء الإداري إلى أرقام غير مسبوقة خلال السنة الماضية.
في هذا الصدد تكتسي هذه النقاشات أهمية خاصة بالنظر إلى الوزن الاقتصادي الكبير للصفقات العمومية التي تشكل أحد أهم أدوات الاستثمار العمومي، إذ تعتمد عليها الدولة والجماعات في إنجاز مشاريع البنية التحتية وتقديم الخدمات الأساسية، كما تمثل موردا اقتصاديا حيويا.لآلاف المقاولات الوطنية، ولذلك فإن أي اختلال محتمل في تدبيرها لا يطرح فقط إشكالاً قانونيا أو إداريا، بل يمس مباشرة مناخ المنافسة الاقتصادية وثقة الفاعلين في السوق والجدوى التنموية للمشاريع المعلن عنها.
في هذا السياق تشير التقارير الميدانية والمعطيات المنشورة إلى أن تركز الصفقات في يد فئة محدودة من المقاولات يثير ريبة الفاعلين الاقتصاديين، حيث كشفت التحريات الإدارية الأخيرة لوزارة لفتيت عن تركز هذه الشبهات في مناطق جغرافية تشهد حركية اقتصادية وعمرانية واسعة، وتأتي جهة الدار البيضاء–سطات على رأس القائمة.
في سياق مواز، باشرت لجان تفتيش مركزية تابعة لوزارة الداخلية في شهري يناير وفبراير 2026 زيارات مباغتة لعدد من الجماعات وجماعات بضواحي الدار البيضاء، الرباط، وفاس–مكناس، لافتحاص ملفات تخص صفقات ممولة من فائض الميزانية، بعد رصد تجاوزات بينة في طرق تدبير الطلبيات العمومية وتعويضات التنقل وتكرار نفس الأسماء في قوائم المستفيدين.
في الصدد ذاته برز اسم جهة مراكش آسفي، وتحديدا إقليم اليوسفية، حيث سجلت شكايات رسمية ضد جماعات “رأس العين” و”سيدي شيكر” و”الشماعية” بتهمة تفصيل صفقات على مقاس شركات محددة.
وجدير بالذكر أن هذا الوضع كشف أن المشكلة لا تكمن دائما.في النصوص القانونية، بل في “هندسة” دفاتر التحملات التي توضع أحيانا بكيفية تجعل المنافسة شبه مستحيلة لغير الشركات المحظوظة، وقد رصد نواب برلمانيون في مارس 2026 أمثلة صارخة، مثل صفقات التجهيزات الطبية المتطورة بمستشفيات كبرى.
وفي هذا السياق، تضمنت دفاتر التحملات مواصفات تقنية تبدو “مفصلة” لتناسب منتجا.لشركة وحيدة، مما أدى لإقصاء المنافسين ورفع كلفة الخدمة العمومية إلى أرقام تثقل كاهل ميزانية الدولة.
هذا النوع من “الإقصاء المقنن” يساهم في خلق احتكارات محلية تحرم الإدارة من الحصول على أفضل العروض جودة وأقلها تكلفة، ويؤدي في نهاية المطاف إلى هدر مليارات السنتيمات تحت غطاء القانون، مما يستوجب إعادة النظر في صلاحيات الآمرين بالصرف وقدرة أجهزة الرقابة القبلية والبعدية على رصد هذه الانحرافات الهندسية.
في المقابل يدافع بعض القائمين على الشأن المحلي عن هذه الممارسات بذريعة الفعالية والأمان التقني، معتبرين أن تكرار فوز مقاولة بعينها قد يعزى إلى تراكم الخبرة الميدانية والقدرة المالية التي تفتقر إليها المقاولات الناشئة، لكن هذا الدفاع يصطدم بواقع رصده قضاة الحسابات والمفتشية العامة للمالية التي أفرجت عن معطيات تشير إلى أن الاختلالات شملت المؤسسات العمومية بنسبة كبيرة من القضايا الرائجة، وقد توبع في هذا الإطار عشرات الأشخاص أمام المحاكم المالية، بينهم رؤساء جماعات وآمرون بالصرف، بتهم تتعلق بالتدبير غير القانوني للنفقات وتفتيت الطلبيات للالتفاف على مساطر المنافسة الكبرى، أو التلاعب في سندات الطلب التي أصبحت الدولة تسعى لإصلاح إطارها الهيكلي لعام 2026 لقطع الطريق أمام شبكات المصالح العابرة للأقاليم.
وعلى الرغم من المجهودات التشريعية، بما في ذلك مرسوم الصفقات العمومية الجديد الذي وسع نطاق التطبيق ليشمل كافة المؤسسات العمومية والجماعات، إلا أن الرهان لا يزال قائما على مستوى التطبيق العملي والسلوك المؤسساتي، فالتحول الرقمي والبوابة الوطنية للصفقات قلصا التماس المباشر بين الإدارة والمقاول، لكنهما لم يمنعا بروز ظاهرة الفساد الهيكلي الذي يتأقلم مع القوانين الجديدة.
إن ضمان نزاهة الطلب العمومي يظل شرطا أساس لحماية حقوق المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تطمح إلى المساهمة في الأوراش التنموية الكبرى، بعيدا عن منطق الزبونية الذي ينخر جسد الاقتصاد المحلي ويعرقل مسار التنمية المنشود، خاصة وأن ملف الصفقات العمومية يظل أحد الاختبارات الأساسية لمنظومة الحكامة الاقتصادية في المغرب في سياق يتسم بتزايد الحاجة إلى الاستثمار العمومي وتعزيز فعالية الإنفاق المالي.
يفيد خبراء أن إصلاح منظومة الصفقات يجب أن ينتقل من الإصلاح المسطري إلى الإصلاح الأخلاقي والرقابي الصارم، فالمشرع المغربي مطالب اليوم بتقوية استقلالية لجان طلبات العروض وفتح المجال أمام هيئات المجتمع المدني والجمعيات المهنية للمشاركة كطرف مراقب.
كما أن تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يجب أن يتوقف عند عزل المسؤولين المتورطين، بل يجب أن يمتد إلى استرجاع الأموال وفرض عقوبات زجرية على الشركات التي يثبت تورطها في التواطؤ، إذ إن حماية المنافسة هي في جوهرها حماية لحق المواطن في خدمات عمومية ذات جودة وبأقل كلفة ممكنة.
وللتذكير فالتحدي الحقيقي يظل في مدى قدرة الدولة على تحويل هذه القوانين من نصوص جامدة إلى ممارسات يومية تعيد الثقة للفاعلين الاقتصاديين وتضمن تكافؤ الفرص للجميع دون استثناء، خاصة وأن المغرب مقبل على أوراش كبرى تتطلب تعبئة شاملة لكافة الموارد والمقاولات الوطنية دون إقصاء أو محاباة.




