
في مشهد يختزل ارتباك التدبير المحلي بمدينة فاس، حيث يختلط “المستعجل” بـ “الغامض”، تحولت الدورة العادية للمجلس الجماعي إلى منصة لتفجير معطيات ثقيلة وضعت المجلس ورئيسه في مواجهة مباشرة مع أسئلة الحكامة والشفافية.
إن المصادقة على اتفاقية لدعم جمعية حديثة التأسيس بمبلغ ضخم يصل إلى 100 مليون سنتيم لتدبير ملف الكلاب الضالة، لم تكن مجرد إجراء إداري عابر، بل تحولت إلى “صدمة سياسية” بعد الكشف عن تفاصيل تثير الريبة حول معايير الاختيار وأهلية الأطراف المتعاقد معها.
فالمعطيات التي ساقها أحد المستشارين لمصدر إعلامي والمتعلقة بإقامة رئيسة الجمعية بفرنسا ووجود شبهات نصب سابقة على منظمة دولية، لم تكن مجرد مناكفة سياسية، بل هي طعن صريح في مسطرة “التحقق القانوني” التي يفترض أن تسبق ضخ أي درهم من المال العام في حسابات الهيئات المدنية.
وما زاد من قتامة المشهد هو رد فعل العمدة الذي اتسم بالتعالي والهروب إلى الأمام، فوصف الاتهامات بـ “الهراء” دون تقديم تفنيد مؤسساتي مقنع، يعكس خللا بنيويا في ثقافة المساءلة لدى التدبير الجماعي بالعاصمة العلمية.
كيف يمكن لمجلس منتخب أن يمرر تمويلا بهذا الحجم لجهة “مجهولة” المسار والخبرة في ملف حساس يمس السلامة الجسدية للمواطنين؟ إن منطق “الأغلبية العددية” الذي استخدم لتمرير الاتفاقية يظهر وكأنه آلية لشرعنة الغموض بدلاً من تبديده، خاصة وأن مبرر “الاستعجال” لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال مطية لتجاوز مبادئ الحيطة والحذر في حماية المال العام.
إن ملف الكلاب الضالة في فاس لم يعد مجرد ظاهرة حضرية مقلقة، بل تحول إلى استنزاف مالي وقانوني للجماعة بسبب سيل الدعاوى القضائية، ومن غير المقبول أن تبنى الحلول المفترضة على أرضية تعاقدية هشة تفتقر للحد الأدنى من الوضوح.
إن منح 100 مليون سنتيم لجمعية “محظوظة” ولدت في كنف الغموض، يضع المجلس أمام اختبار أخلاقي قبل أن يكون قانونياً، فالدعم العمومي في دولة المؤسسات لا يوزع كمنح “ترضية” أو “حلول إسعافية” مرتجلة، بل يجب أن يخضع لدفاتر تحملات صارمة وإعلان واضح عن طلبات المشاريع.
إن ما حدث في دورة الثلاثاء هو تكريس لسياسة “الأمر الواقع” التي تهمش الكفاءة الميدانية لصالح الولاءات أو الصدف غير المبررة، مما يضع الثقة بين المواطن ومنتخبيه على المحك، ويجعل من “فاس” نموذجا لكيفية تحول ملف صحي واجتماعي إلى مادة للذهول السياسي والانحدار في معايير الحكامة المحلية.




