الجزائر مرة ثانية: خذلان وحياد… وبيان بأقل تكلفة

بينما كانت الرادارات في عواصم الخليج ترصد أجساما غريبة تخترق زرقة السماء، كانت الرادارات الدبلوماسية في الجزائر العاصمة مشغولة بهندسة جملة لا تكسر زجاج العلاقات مع أحد، فخرج البيان المنتظر ببرودة تليق بمقصورة مكيفة وسط هجير الأزمات، حاملا تلك الوصفة السحرية التي تعالج كل شيء من الصداع النصفي إلى الحروب الإقليمية: “ضبط النفس”.
الجزائر التي لا تكف عن تذكير العالم ببطولاتها التاريخية في مقارعة الاستعمار وبأنها “قبلة الثوار”، يبدو أنها قررت في هذه الأزمة تحديدا أن تصبح “قبلة المترددين”، فالموقف لم يكن انحيازا ولا حتى حيادا إيجابيا، بل كان تمرينا ذهني في فن المشي على الحبال المشدودة دون لمس الأرض، لغة منقحة بعناية فائقة، خالية من الدسم السياسي، وكأن الخارجية الجزائرية تخشى أن تخدش مشاعر الصواريخ الباليستية إذا ما وصفتها بأسمائها الحقيقية.
المثير للسخرية أن هذا “البرود” يأتي من دولة تبيع للعالم خطاب “المبدئية” و”السيادة” و”الوقوف مع الأشقاء”، لكن حين اختبرت الوقائع هذه الشعارات تجاه دول الخليج، تبخرت الحرارة الثورية وحل محلها منطق “التاجر الحذر” الذي لا يريد خسارة زبون في طهران ولا شريك استثماري في الرياض أو أبوظبي، فكانت النتيجة بيانا يشبه النشرة الجوية؛ يخبرك أن هناك عاصفة، لكنه لا يجرؤ على قول من أطلق الريح.
هذا القفز البهلواني فوق الأسلاك الشائكة يكشف عن أزمة هوية دبلوماسية، فالجزائر تحاول إقناعنا بأنها “وسيط نزيه”، بينما يرى المراقبون أنها مجرد “متفرج مرتبك”، فالتضامن الرمزي مع أمن عواصم عربية تتعرض للتهديد ليس “انجرارا وراء المحاور” كما يروج المدافعون عن قصر المرادية، بل هو الحد الأدنى من الوفاء لاستقرار منطقة ترتبط بها الجزائر بمصالح حيوية، أما الاكتفاء بدعوة “الجميع” للهدوء، فهو مساواة غريبة بين الضحية ومن يضغط على الزناد.
إن السياسة الجزائرية اليوم تبدو وكأنها تعيش في “فقاعة بلاغية” منفصلة عن واقع الاستقطاب الحاد، حيث تعتقد أن الكلمات المنمقة يمكنها سد فجوات الخذلان، لكن في زمن النار، لا يبحث الناس عن “أناقة الأسلوب” بل عن “وضوح الموقف”، والجزائر باختيارها المنطقة الرمادية، لم تحجز مقعد الوساطة، بل حجزت مقعدا في قاعة الانتظار التاريخية، حيث لا يسمع أحد صدى الكلمات التي تخرج بلا روح.
في نهاية المطاف، أثبتت التجربة أن الصواريخ العابرة للقارات لا توقفها البيانات العابرة للبلاغة، وأن “ضبط النفس” الذي تطالب به الجزائر، قد تحول عندها إلى “ضبط للموقف” لدرجة الاختناق، فبينما كانت المنطقة تشتعل، كانت الدبلوماسية الجزائرية تطفئ محركات المبادرة، وتكتفي بهمس بروتوكولي خافت، يثبت أن المشكلة ليست في الصواريخ، بل في “النفس” الدبلوماسي الذي يخشى المواجهة حتى بالكلمات.




