
أكد الدكتور بدرالدين الرواص، الأستاذ الباحث المتخصص في جغرافية الموانئ بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بطنجة، أن القارة الإفريقية تتمتع بموقع استراتيجي متميز بحكم إشرافها على واجهات بحرية متعددة، مشيرا إلى أن النقل البحري يمثل العمود الفقري للتجارة الخارجية الإفريقية، إذ يتم عبر الموانئ تمرير أكثر من 90 في المائة من المبادلات التجارية.
وأوضح الرواص أن تأمين هذه المبادلات يرتبط بشكل مباشر بمستوى الأمن البحري في المجال الإفريقي، لافتا إلى أن الموانئ تُعد رافعة تنموية أساسية للاقتصاد القاري، فضلا عن دورها الحيوي في مواجهة التحديات المرتبطة بالتهديدات والإرهاب البحري.
وأضاف أن الموانئ المغربية الكبرى ساهمت في دعم تطوير الموانئ الإفريقية من خلال تعزيز سياسات التنمية المستدامة، وتبادل الخبرات في مجال الرقمنة وتحسين جودة الخدمات، إضافة إلى تقوية الارتباط بين الموانئ ومحيطها الخلفي، مؤكدا أن نجاح هذه الدينامية يظل مرهونا بتعزيز الأمن البحري وتطوير آليات الوقاية من القرصنة وضمان سلامة الملاحة في الممرات والموانئ الإفريقية.
وأشار إلى أن الجهود التي بذلتها الدول الإفريقية، إلى جانب تعزيز التعاون البيني، ساهمت في تراجع أنشطة القرصنة البحرية، مبرزا في السياق ذاته أهمية المبادرة الملكية الأطلسية باعتبارها خيارا استراتيجيا للدول الإفريقية الحبيسة جنوب الصحراء، من خلال تمكينها من الولوج إلى الفضاء الأطلسي والاستفادة من التجربة المغربية في تدبير الموانئ وتدبير الأزمات المرتبطة بالأمن البحري.
كما شدد على أن بناء شراكة بين دول الساحل الأطلسي أصبح ضرورة ملحة لمواجهة التهديدات البحرية المشتركة في المحيط الأطلسي، ملاحظا في الوقت نفسه أن الإطار العملي لتفعيل هذه الشراكة لم يتم بعد تحديده بشكل واضح.
واعتبر أن اتفاق شتنبر 2022 مع دول غرب إفريقيا بشأن التعاون وضمان عبور الغاز يشكل خطوة مهمة لتعزيز فرص إنجاز مشروع أنبوب الغاز المغرب–نيجيريا، الذي من شأنه تقوية التنسيق بين دول الساحل ودول خليج غينيا، إلى جانب دعم التعاون في مجال تأمين الحدود وتطوير المشاريع الطاقية المشتركة.
وأضاف أن تنامي التهديدات الإرهابية في عدد من المضايق والممرات البحرية الإفريقية، خصوصا مضيق باب المندب، يفرض تعزيز التنسيق العسكري بين الدول الساحلية الإفريقية والدول ذات القدرات البحرية المتقدمة، بهدف حماية الإمدادات الطاقية وضمان استمرارية تصدير الموارد الطبيعية من غاز وبترول ويورانيوم وذهب ومعادن مختلفة.
وأكد الرواص أن الموانئ تضطلع بدور محوري في إنجاح البرامج التنموية الإفريقية، من خلال دعم الاندماج الاقتصادي القاري وإرساء سلاسل إنتاج وإمداد حديثة ذات قيمة مضافة للاقتصادات الوطنية ودول الجوار مثل موريتانيا والسنغال وساحل العاج ومالي والنيجر.
كما أوضح أن تحقيق تنمية مستدامة داخل الموانئ الإفريقية يتطلب التوجه نحو اعتماد نموذج الموانئ الذكية والمستدامة، مستشهدا بتجربة ميناء طنجة المتوسط الإيكولوجي، إلى جانب تطوير الأنشطة المينائية عبر مبادرات مثل مجموعة التدخل في الموانئ الإفريقية APTK، التي شملت موانئ طنجة المتوسط سنة 2019، ودوالا سنة 2021، وكوتونو سنة 2022.
وفي ختام تصريحه، اعتبر الرواص أن الاستراتيجية الإفريقية للأمن البحري، المعروفة باتفاقية لومي، لم تحقق الأهداف المرجوة بسبب غياب المقاربة التنموية وضعف الوعي بمخاطر القرصنة البحرية، رغم أن الجهود الإفريقية والتنسيق القائم بين الدول أسهما في تقليص عدد عمليات القرصنة من 82 إلى 34 حالة، وتراجع حوادث الاختطاف من 78 إلى 57 حالة بين سنتي 2019 و2022.




