كتاب الرأي

حين يصبح القلم مسؤولية لا امتياز..

محمد البشيــري

بمناسبة اليوم العالمي للصحافة، يعود النقاش حول جوهر الممارسة الإعلامية وحدودها الأخلاقية ليطفو على السطح، ليس بوصفه ترفاً فكرياً، بل كضرورة ملحّة في زمن تتناسل فيه الأخبار الزائفة، وتتشابك فيه الحقيقة مع التأويل. إنها لحظة مساءلة عميقة: أي إعلام نريد؟ وأي دور ينبغي أن تضطلع به الصحافة في مجتمع تتجاذبه التحولات الرقمية والتحديات القيمية؟

إن الصحافة، في معناها الأرقى، ليست مجرد مهنة لنقل الوقائع، بل هي سلطة رمزية تؤطر الوعي العام، وتعيد تشكيل الإدراك الجماعي للأحداث. ومن هذا المنطلق، يصبح لزاماً أن يكون الإعلام رافعة للوعي، لا أداة لتبسيط مخلّ أو تضليل ممنهج. إعلام يشتغل على التحقق قبل النشر، وعلى التحليل بدل الإثارة، وعلى بناء الثقة بدل استنزافها.

الإعلام الذي نريده هو إعلام شجاع في مواقفه، دقيق في معطياته، متوازن في معالجته، لا يسقط في فخ الشعبوية الرقمية، ولا ينجرّ وراء منطق “البوز” الذي يُفرغ الكلمة من معناها. إعلام يربي الذوق العام، ويهذّب النقاش العمومي، ويُعيد الاعتبار لقيم الاختلاف المسؤول، حيث النقد لا يتحول إلى تخوين، والرأي لا يُختزل في صراع.

كما أن هذا الإعلام المنشود، هو الذي يُؤمن بضرورة التصحيح والاعتذار، باعتبارهما جوهر المصداقية، لا نقيضها. فالقوة الحقيقية للصحافة لا تكمن في ادعاء الكمال، بل في الجرأة على مراجعة الذات، والالتزام المستمر بالحقيقة، مهما كانت كلفتها.

وفي ظل الفوضى الرقمية التي باتت تعيد تشكيل المجال العمومي، تزداد الحاجة إلى صحافة رصينة، تبني ولا تهدم، تفسر ولا تضلل، تضع الإنسان في قلب اهتماماتها، وتدافع عن القيم المشتركة التي تصون تماسك المجتمع. صحافة تنحاز للمعرفة، وتستثمر في الوعي، وتُسهم في بناء مواطن قادر على الفهم والنقد والمشاركة.

إنها دعوة لإعلام ينهض بوظيفته النبيلة: أن يكون ضميراً حياً للمجتمع، لا صدىً
عابراً لضجيجه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى